يوجه الله تعالى نبيه والمؤمنين إلى النظر والاعتبار بما يشاهدونه في واقع الحياة الدنيا من التفاوت العظيم بين الناس في الأرزاق، والأخلاق، والجمال، والصحة، والجاه؛ فهذا غني وذاك فقير، وهذا شريف وذاك وضيع؛ ثم يؤكد أن التفاوت في الدار الآخرة بين أهل الجنة وأهل النار، وبين درجات أهل الجنة أنفسهم، أعظم وأجل بما لا يقاس به تفاوت الدنيا.
تفسير الطبري (14/ 437)مصدر غير محدد١٤/٤٣٧: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد والضحاك قوله: {انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} في الدنيا بالمال والولد والجاه والرزق، {وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا}: أي تفاوت منازل الآخرة أعظم بكثير؛ فإن بين أهل عليين وأهل سجين ما لا يحصيه إلا الله، وأهل الجنة أنفسهم يتفاضلون حتى إن أهل الدرجات العلى ليتراءون كما يتراءى الكوكب الدري الغابر في أفق السماء.
تفسير ابن كثير (5/ 41)مصدر غير محدد٥/٤١: يستشهد الحافظ ابن كثير بالحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ مِنَ الأُفُقِ مِنَ المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ»، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: «بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ».
القرطبي (10/ 251)مصدر غير محدد١٠/٢٥١: يوضح القرطبي أن الآية تقطع دابر الحسد الدنيوي؛ وتوجه همة العاقل إلى التنافس في تحصيل درجات الآخرة الباقية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
النظر: نظر القلب والبصيرة والاعتبار؛ لأن النظر في أحوال التفضيل يحتاج إلى تأمل وتفكر عقلي لا مجرد رؤية بصرية عابرة.
التفضيل: تصيير الشيء ذا فضل ومزية على غيره في الرتبة أو العطاء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
القياس التمثيلي بين الحاضر والغائب: استخدم النظم القرآني الواقع المحسوس المشاهد (تفاوت الناس في الدنيا) سلماً للاستدلال على الغائب المحتوم (تفاوت درجات الآخرة)؛ فإذا كنتم ترون التفاوت الهائل بين ملك عظيم وفقير معدم في الدنيا، فاعلموا أن تفاوت الآخرة أضخم وأعظم بما لا وجه للمقارنة معه؛ لأن نعيم الآخرة أبدي وعذابها سرمدا.
تكرار لفظ {أَكْبَرُ}: كرر اسم التفضيل مرتين: {أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا}؛ لترسيخ عظمة الفارق؛ فالتفاوت ليس في العلو المكاني والمنازل فحسب (درجات)، بل في حقيقة النعيم والكرامة والقرب من الله (تفضيلاً).
التمهيد لمنظومة الأخلاق في الآيات التالية: استنهاض الهمم لطلب الدرجات العلى بالآخرة يمهد للأوامر والنواهي العظيمة التي تبتدئ من الآية التالية؛ لأن تلك الأوامر هي السلم الذي يرتقي به المؤمن إلى أعلى المنازل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التفرقة والطبقية في التفضيل الدنيوي:
قد يعترض معترض: لماذا فضل الله بعض الناس على بعض في الدنيا بالمال والقوة والجاه ولم يجعلهم متساوين جميعاً؟
الحكمة الإلهية والعدل الكوني: تفاوت المواهب والأرزاق في الدنيا ضرورة كونية واجتماعية لقيام نظام الحياة وعمارة الأرض؛ فلو تساوى الناس جميعاً في الغنى والمهن لتعطلت المصالح ولم يخدم أحد أحداً؛ كما قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا}؛ فهذا التفاوت ابتلاء للأغنياء بالشكر وللفقراء بالصبر، ثم جعل الله ميدان التنافس الحقيقي المتكافئ في الآخرة متاحاً للجميع بالتقوى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
الأمر بـ {انظُرْ}: دعوة إلى التأمل العقلي الواعي الذي يتجاوز المظاهر السطحية إلى استنباط السنن الكونية.
التأكيد بلام الابتداء في {وَلَلْآخِرَةُ}: لرد إنكار المنكرين أو غفلة الغافلين، وتأكيد أن درجات الآخرة هي الغاية الحقيقية التي تستحق بذل النفوس.
الإشارة والتدبر: كل فضل دنيوي ينتهي بالموت ويوضع صاحبه في حفرة ترابية لا تفرقه عن غيره؛ أما فضل الآخرة ودرجاتها فهو المجد الحقيقي الذي لا ينقطع؛ فطوبى لمن كانت همته الفردوس الأعلى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: توجيه أنظار الناس إلى التنافس الشريف في ميدان الآخرة: {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}، وتحرير القلوب من داء الحسد والتسخط على أقدار الرزق الدنيوي.
التوجيه التربوي: تربية النفس على الرضا بما قسم الله من الكفاف، وعلو الهمة في طلب الطاعات والمسارعة إلى مغفرة الله وجنات النعيم.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن زهداً في حطام الدنيا الزائل، وشوقاً ملتهباً إلى منازل المقربين في الجنة بصحبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.