الحفظ الإلهي للرسول صلى الله عليه وسلم والحجاب المعنوي والحسي عن قلوب الكافرين:
يخبر الحق سبحانه نبيه ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أنه إذا تلا القرآن العظيم على المشركين المصرين على الكفر المكذبين بالبعث، جعل الله بينه وبينهم حجاباً مانعاً وساتراً يحجبه عن أعينهم عند إرادتهم إيقاع الأذى به، ويحجب قلوبهم عن فهم مقاصد القرآن وإدراك أنواره وهداياته، عقوبة لهم على كفرهم وإعراضهم.
تفسير الطبري (14/ 490)مصدر غير محدد١٤/٤٩٠: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا}: الحجاب هنا ساتر يستر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم فلا يصلون إلى أذاه؛ وروى ابن جرير عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: «لما نزلت سورة المسد: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة، وفي يدها فهر (حجر)، وهي تقول: مذمماً أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، لقد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي، وقرأ قرآناً اعتصم به كما قال الله: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا}؛ فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وقيل: الحجاب مستور عن أعينهم وهو مانع لهم من الهدى.
تفسير ابن كثير (5/ 57)مصدر غير محدد٥/٥٧: يوضح ابن كثير أن الحجاب يكون حسياً كما وقع في قصة أم جميل وأبي جهل، ويكون معنوياً وهو الأعم الأغلب؛ أي حجاباً يستر قلوبهم عن فقه القرآن والإيمان به، كقوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}.
القرطبي (10/ 299)مصدر غير محدد١٠/٢٩٩: يذكر القرطبي أن {مَّسْتُورًا} اسم مفعول بمعنى فاعل؛ أي ساتراً، كما يقال: مشؤوم وميمون بمعنى شائم ويامن؛ أو هو مستور عن الأعين فلا يُرى، وهو من بديع إعجاز القرآن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الحِجَاب: الساتر والحائل الذي يمنع الرؤية أو الوصول، مأخوذ من الحَجْب وهو المنع.
مَسْتُورًا: اسم مفعول من سَتَرَ؛ وله في لسان العرب وجهان:
أن يكون اسم مفعول على بابه؛ أي حجاباً خفياً مستوراً عن الأبصار لا يدركونه بحواسهم.
أن يكون اسم مفعول يراد به اسم الفاعل؛ أي حجاباً ساتراً يحول بينك وبينهم.
{بِالْآخِرَةِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يُؤْمِنُونَ}.
{حِجَابًا}: مفعول به لـ {جَعَلْنَا} منصوب بالفتحة الظاهرة.
{مَّسْتُورًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط مع نفور المشركين السابق: لما ذكر في الآية (41) {وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا}، بيّن هنا علة هذا النفور العجيب وسره؛ وهو أن بينهم وبين رسول الله والقرآن حجاباً كثيفاً ضربه الله على قلوبهم وأسماعهم بسبب جحودهم بالآخرة.
التخصيص بـ {الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ}: لم يقل "بينك وبين المشركين"، بل نص على إنكار الآخرة بالذات؛ لأن من لا يؤمن بالبعث والحساب لا يرجو ثواباً ولا يخشى عقاباً، فماتت بصيرته وانعدم خوفه واستحكم الحجاب على قلبه.
التوطئة لبيان موانع الإدراك في الآية اللاحقة: مهد هذا الحجاب لذكر تفاصيل موانع الهداية في قوله: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجبر وإسناد جعل الحجاب إلى الله تعالى:
قد يدعي ملحد أو قدري أن إسناد {جَعَلْنَا} إلى الله يعني أن الله جبرهم على الضلال ومنعهم من الإيمان دون ذنب منهم!
التحرير السني والعدالة الإلهية:
جعل الحجاب لم يكن ظلماً ولا ابتداءً بلا سبب، بل كان "عقوبة وفاقاً" وجزاءً عادلاً على اختيارهم الباطل واستكبارهم عن الحق وإصرارهم على التكذيب بالآخرة؛ فالشمس مشرقة بالنور، لكن من أغمض عينيه متعمداً وعاش في الظلام طبع الله على عينيه العمى؛ كقوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}، وقوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}؛ فالبداية كانت من زيغهم وجحودهم، والختم كان عقاباً إلهياً عادلاً.
الوصف بـ {مَّسْتُورًا} (حجاباً مستوراً): إعجاز بياني فريد؛ فالحجاب من شأنه أن يَسْتُر، فوصفه بأنه مَسْتُور مبالغة في خفائه وإحكامه؛ كأنه حجاب كثيف لا يراه أحد ولا يُشعر به، فالكافر لا يشعر بأنه محجوب، بل يحسب أنه على هدى وعلم، وهو في أعمق ظلمات الحرمان.
الإشارة والتدبر: كم من إنسان يسمع القرآن بأذنيه ولا يصل منه حرف واحد إلى قلبه! إنها عقوبة الحجاب المستور؛ فاستعذ بالله دائماً من أن يُحال بينك وبين تدبر كتاب الله، وسل الله قلباً حياً خاشعاً يتغذى بالوحي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ثقة الداعية بحفظ الله ورعايته؛ فإذا صدق العبد مع ربه وتلا وحيه بنية إعلاء كلمته، حماه الله من كيد الأعداء وضرب بينه وبينهم حجب الحماية والكفاية: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}.
التوجيه التربوي: التحذير من التهاون في الإيمان باليوم الآخر؛ فإن ضعف اليقين بالمعاد هو الثغرة الكبرى التي يتسلل منها الران إلى القلوب.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن طمأنينة وسكينة عند قراءة القرآن؛ مستشعراً معية الله وحفظه، ومستعيذاً بوجهه الكريم من قسوة الحجاب وغفلة القلوب.