العصمة الإلهية لعباد الله المخلصين وسقوط سلطان الشيطان أمام التوكل والحفظ الإلهي:
يختم الحق سبحانه وتعالى مشهد الحوار الإبليسي بالبشارة العظمى لأهل الإيمان؛ معلناً كسر شوكة إبليس وعجزه التام؛ إن عبادي المؤمنين الصادقين المخلصين المنيبين ليس لك يا إبليس أدنى تسلط أو قدرة على قهرهم وإلجائهم إلى الكفر والضلال، ولا سلطان لك إلا على من تولاك بكامل إرادته؛ وحسب المؤمنين ربهم حفيظاً كفيلاً ناصراً يتوكلون عليه فيكفيهم كيدك وشرك.
تفسير الطبري (14/ 540)مصدر غير محدد١٤/٥٤٠: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}: أي ليس لك عليهم حجة ولا سلطان ولا قدرة على إضلالهم وصدهم عن دينهم؛ لأن الله عصمهم وثبتهم، وإنما سلطانك على من والاك واتبعك من الكفار؛ {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا}: كفى بالله حافظاً وحامياً وكفيلاً يكلأ عباده المؤمنين ويدفع عنهم مكر الشيطان ووساوسه.
تفسير ابن كثير (5/ 70)مصدر غير محدد٥/٧٠: يقرر الحافظ ابن كثير أن الآية كقوله تعالى في سورة النحل: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}؛ فالشيطان لا يملك القوة الجبرية، وإنما يوسوس فقط؛ والمؤمن المتوكل يعتصم بالله فيخنس الشيطان ويفر.
القرطبي (10/ 334)مصدر غير محدد١٠/٣٣٤: يذكر القرطبي أن إضافة العباد إلى ياء المتكلم {عِبَادِي} إضافة تشريف واختصاص؛ فالمراد بهم المؤمنون المخلصون؛ والوكيل هو الحافظ والكافي؛ فمن توكل على ربه كفاه شر شياطين الإنس والجن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
السُّلْطَان: الحجة والبرهان، والتسلط والقدرة على القهر والغلبة، مشتق من السَّلِيط وهو الشديد الصارم؛ ونفي السلطان هنا نفي للقدرة الجبرية والحجة القاطعة.
الوَكِيل: الكفيل بالحفظ والتدبير والدفاع، فَعِيل بمعنى فاعل.
{عِبَادِي}: اسم {إِنَّ} منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{لَيْسَ}: فعل ماض ناقص جامد.
{لَكَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ليس مقدم.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من سلطان.
{سُلْطَانٌ}: اسم {لَيْسَ} مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة ليس واسمها وخبرها في محل رفع خبر {إِنَّ}.
إعراب {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا}:
الواو استئنافية، {كَفَىٰ}: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.
الباء حرف جر زائد للتأكيد والتزيين اللفظي.
{رَبِّكَ}: مجرور لفظاً مرفوع محلاً على أنه فاعل {كَفَىٰ}، والكاف مضاف إليه.
{وَكِيلًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة (أو حال).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان الانتصار الإلهي بعد استعراض الترسانة الشيطانية: بعد أن أطلق العنان في الآية السابقة لذكر خيل إبليس ورجله وصوته، جاءت هذه الآية لتسقط كل هذه الجيوش في كلمة واحدة: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}؛ ليعلم المؤمن أن هذه الجيوش الإبليسية مجرد نمور من ورق أمام جدار التوحيد والاعتصام بالله.
إضافة العبودية كدرع أمان وحصن حصين: {عِبَادِي}: لم يقل "إن الناس"، بل نسبهم إلى ذاته العلية؛ فكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية لله، كلما تضاءل سلطان الشيطان عليه حتى ينعدم بالكلية.
براعة التذييل بـ {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا}: ربط الحماية بكفاية الربوبية؛ فالنبي والمؤمنون في حراسة الوكيل الأعظم الذي لا يغلبه غالب ولا يفوته كيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وقوع المؤمنين في المعاصي والوساوس رغم نفي السلطان:
كيف يقول {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} ونحن نرى المؤمنين يقعون في الذنوب وتصيبهم نزغات الشيطان؟!
التحرير والتفريق الدقيق بين "الوسوسة" و"السلطان":
السلطان المنفي هو: القهر والإلجاء الجبري، والقدرة على سلب الإيمان من القلب كرهاً، وإيقاع العبد في الكفر والخلود فيه؛ وهذا ممتنع على الشيطان تماماً؛ أما ما يقع من وسوسة ولمم وذنوب عارضة، فهي من مقتضى الضعف البشري، والمؤمن سريع الأوبة والتوبة: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}؛ فسلطان الشيطان مقصور على من ألقى إليه بالقياد ورضي بولايته: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ}.
أسلوب النفي المطلق بـ {لَيْسَ} وتقديم الجار والمجرور {لَكَ}: لقصر العجز والحرمان على إبليس؛ أي ليس لك أنت بالذات أي سبيل أو سلطان على عباد الرحمن.
صيغة الكفاية في {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا}: إشعار بالغنى التام بالله عن كل حارس وناصر؛ فمن كان الله وكيله فمن ذا الذي يقدر عليه؟!
الإشارة والتدبر: إذا أردت أن تتحرر من سلطان الشيطان وضغوط الشهوات والوساوس، فادخل في دائرة العبودية الحقة لله؛ فكلما صرت عبداً لله صرت حراً من كل قيود إبليس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: بث الأمل والطمأنينة في نفوس المسلمين والمبتلين بالوساوس والشكوك؛ وتبيين أن الشيطان ضعيف أمام ذكر الله والتوكل عليه.
التوجيه التربوي: تدريب النفس على صدق التوكل وتفويض الأمور لله في كل حركة وسكنة، والاستعانة بالأذكار الشرعية الصباحية والمسائية.
الأثر الوجداني: يفيض قلب المؤمن أمناً وسكينة وعزة، مستشعراً معية الله وحفظه، هاتِفاً من أعماق قلبه: "حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم".