يبين الله جل وعلا قانون النوايا والمقاصد ومآلات السعي البشري؛ فمن كانت همته قاصرة على دار الدنيا الفانية العاجلة وشهواتها الزائلة، لا يرجو ثواب الآخرة ولا يخاف عقابها؛ فإن الله قد يعجل له فيها ما يشاء سبحانه وفق حكمته ومشيئته لا بحسب هوى العبد ومراده، ثم يجعل له في الدار الآخرة نار جهنم يدخلها ويلقى فيها مذموماً ملعونا مطروداً من كل خير ورحمة.
تفسير الطبري (14/ 432)مصدر غير محدد١٤/٤٣٢: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد والحسن: من كانت الدنيا نيته وهمته وطلبته وسعيه لها وحدها، عجلنا له فيها ما نشاء مما قسمنا له في أم الكتاب لمن نريد أن نعجل له، وليس لكل من طلبها ينال ما يشتهي، ثم نصيره في الآخرة إلى جهنم يصلاها ويعذب بغلها ولهيبها، مذموماً على كفره ومعاصيه، مدحوراً مقصياً مطروداً من رحمة ربه.
تفسير ابن كثير (5/ 39)مصدر غير محدد٥/٣٩: يوضح الحافظ ابن كثير دقة التقييد الإلهي في الآية؛ حيث قيد العطاء الدنيوي بقيدين محكمين: {مَا نَشَاءُ} لا ما يشاء العبد، و{لِمَن نُّرِيدُ} لا لكل من يريد العاجلة؛ فكم من راغب في الدنيا كادح فيها لا ينال منها إلا الفقر والحرمان! فإذا كان يوم القيامة حُرم من نعيم الآخرة بالكلية وباء بالخزي والعذاب.
القرطبي (10/ 247)مصدر غير محدد١٠/٢٤٧: يذكر القرطبي أن الآية تقطع أطماع الغافلين؛ وتثبت أن التمتع الدنيوي ليس دليلاً على كرامة صاحبه، بل قد يكون استدراجاً محضاً يعقبه عذاب الجحيم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
العاجلة: الدار الدنيا، وسُميت عاجلة لسرعة زوالها وانقضائها وحضور متاعها المؤقت، وهي نقيض الآجلة (الآخرة).
يصلاها: يدخلها ويقاسي حرها وشواءها، من الصَّلْي وهو مقاساة وهج النار والشواء بها.
مَذْمُومًا: اسم مفعول من الذم، وهو نقيض الحمد؛ أي مستحقاً للوم والتقريع من الله وملائكته والخلق جميعاً لقبح صنيعه.
مَّدْحُورًا: اسم مفعول من الدَّحْر، وهو الطرد والإبعاد والإهانة، يقال: دحره يدحره دحراً إذا أبعده وطرده بخزي؛ ومنه قوله تعالى: {دُحُورًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ}.
{لِمَن}: جار ومجرور متعلق بـ {عَجَّلْنَا}، {نُّرِيدُ}: صلة الموصول لا محل لها.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي الرتبي والزماني.
{جَعَلْنَا}: فعل وفاعل، {لَهُ}: متعلق بـ {جَعَلْنَا}، {جَهَنَّمَ}: مفعول به منصوب بالفتحة ومنع من الصرف.
إعراب {يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا}:
{يَصْلَاهَا}: مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب حال من الهاء في {لَهُ}، أو صفة ثانية لجهنم.
{مَذْمُومًا}: حال أولى من فاعل يصلاها منصوبة بالفتحة الظاهرة.
{مَّدْحُورًا}: حال ثانية منصوبة بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقسيم البشري المتقابل: تأتي هذه الآية والآية التي تليها لترسما القسمة الحاصرة لمشارب البشر ومقاصدهم؛ فالناس إما عبد دنيا قاصر النظر على الحاضر الفاني، وإما طالب آخرة باقٍ يسعى لنيل مرضاة ربه؛ فبين النظم عاقبة كل فريق بأدق ميزان.
التقييد الصارم للمشيئة الإلهية: قيد العطاء العاجل بـ {مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ}؛ لنسف وهم الماديين الذين يظنون أن طلب الدنيا يضمن تحصيلها؛ فكم من لاهث خلف المادة تفوته الدنيا والآخرة معاً!
الحال المزدوجة {مَذْمُومًا مَّدْحُورًا}: جمع بين الذم المعنوي (سقوط الكرامة وانقطاع الحجة)، والطرد الحسي (الإبعاد في قعر الجحيم)؛ لبيان تمام خسرانه وإفلاسه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة شمول الحكم لمن طلب الدنيا بنية التقوي على الطاعة:
هل يدخل في هذا الوعيد الشديد من طلب المال الدنيوي والتجارة والمباحات من المسلمين؟
التحرير والرد الأصولي: الوعيد منصب حصراً على من كانت الدنيا هي غايته الوحيدة وقصارى أمله ولا يؤمن بالآخرة ولا يعمل لها؛ بدليل قوله في الآية السابقة: {وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ}، وقوله في آية هود: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ}. أما من طلب الدنيا الحلال وسيلة للآخرة، وللنفقة على عياله والصدقة على الفقراء فطلبه عبادة وسعي مشكور لا يتناوله هذا الوعيد.