مؤامرة الإخراج والتهجير القسري للنبي صلى الله عليه وسلم وسنة الهلاك السريع للظالمين بعد إخراج الرسل:
يخبر الحق سبحانه وتعالى عن مؤامرة أخرى دبرها المشركون بمكة؛ حين ضاقت صدورهم بانتشار دعوة الإسلام، فقاربوا وعزموا على إزعاجك واستفزازك وإثارة الفتن حولك ليضطروك إلى الخروج والجلاء من أرض مكة مهبط رأسك؛ ولو فعلوا ذلك وأخرجوك قهراً وظلماً دون إذن الله لأهلكهم الله بعذاب عاجل واستئصال تام عام ولما لبثوا في مكة بعد خروجك إلا زمناً يسيراً؛ ولكن الله أخرج نبيه مهاجراً بأمره، ثم أهلك صناديدهم بعد زمن قليل في بدر (بعد سنة ونصف)، ثم فتح مكة لنبيه بعد ثماني سنين.
تفسير الطبري (14/ 564)مصدر غير محدد١٤/٥٦٤: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن: {وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ}: أي من أرض مكة بالقتل أو الحبس أو النفي كما قال: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}، {وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا}: أي لو أخرجوك لم يلبثوا بعدك إلا زمناً يسيراً حتى يعاجلهم العذاب بالاستئصال، وقد أهلك الله كبراءهم ببدر بعد مدة يسيرة من هجرته صلى الله عليه وسلم.
تفسير ابن كثير (5/ 76)مصدر غير محدد٥/٧٦: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآية سنة ربانية ماضية؛ فما أخرجت أمة نبيها من بين ظهرانيها إلا عاجلها الله بالهلاك؛ ولذلك حفظ الله نبيه حتى أذن له بالهجرة، فكان خروجه عزاً للإسلام وفتحاً للمدينة، وبواراً لكفار قريش.
القرطبي (10/ 351)مصدر غير محدد١٠/٣٥١: يذكر القرطبي القراءات في {خِلَافَكَ} بكسر الخاء وفتح اللام بعدها ألف (قراءة الجمهور)، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {خَلْفَكَ} بفتح الخاء وسكون اللام، وهما لغتان فصيحتان بمعنى: بعد خروجك؛ والاستفزاز هو الاستخفاف والإزعاج والإخراج بالقهر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الاسْتِفْزَاز: الإزعاج الشديد والتحريك بخفة وقهر؛ استفزه إذا أزعجه وأخرجه من مكانه وضيّق عليه.
خِلَافَكَ: ظرف مكان أو زمان بمعنى: بعدك وبراءتك من أرضهم، من خَلَفَ يَخْلُفُ.
{خِلَافَكَ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة الظاهرة متعلق بـ {يَلْبَثُونَ}، والكاف مضاف إليه.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{قَلِيلًا}: ظرف زمان منصوب نائب عن ظرف الزمان (أي وقتاً قليلاً أو زمناً يسيراً).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح المخطط الموازي بعد سقوط المساومة: لما فشلت مساومتهم للنبي على التنازل عن الوحي باللين في الآيات (73-75)، انتقلوا إلى الشق الآخر من خطتهم وهو استخدام القوة والإرهاب والتهجير القسري؛ فكشف القرآن خطتهم وأعلن نتيجتها الساحقة عليهم.
الترتيب التاريخي الإعجازي للنبؤة: أخبر القرآن بنجاته صلى الله عليه وسلم، وبهجرته، وبقصر مدة بقاء المشركين بعده؛ وقد وقع ذلك عياناً بحذافيره؛ فكان ذلك برهاناً ساطعاً على صدق التنزيل وعلم الغيب الإلهي.
التمهيد لإعلان القانون السنني في الآية اللاحقة: مهد هذا الحكم الخاص بقريش لتعميمه كقانون تاريخي عام في قوله: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا لم يهلك كفار مكة فور خروج النبي صلى الله عليه وسلم كالأمم السابقة؟:
أهلك الله قوم نوح وعاد وثمود فور خروج أنبيائهم، بينما أمهل قريشاً سنوات بعد الهجرة حتى فتحت مكة!
التحرير السنني والرحمة المحمدية:
قريش لم يخرجوها استئصالاً مطلقاً بغير إذن، بل خرج النبي بأمر ربه مهاجراً متدرجاً في بناء الدولة بالمدينة؛ ومع ذلك فقد نزل بهم حكم الآية في زمن وجيز؛ فبعد سنة ونصف فقط قُتل سبعون من صناديدهم وسادتهم في بدر (أبو جهل، عتبة، شيبة، أمية بن خلف) وأُسر سبعون؛ فكان ذلك هو الهلاك السريع الموعود؛ ثم فتح الله مكة وجعلها دار إسلام؛ فكانت النبوة المحمدية رحمة للعالمين، فبدلاً من إبادتهم بالحاصب أو الطوفان، أهلك الله رؤوس الكفر وأدخل سائر الناس في دين الله أفواجاً.
إيثار لفظ {لَيَسْتَفِزُّونَكَ}: يحمل دلالة الاضطراب والطيش؛ فالظالم إذا عجز عن مواجهة الفكرة يستفز حاملها ويسعى لاقتلاعه من أرضه؛ لظنه أن نفي الداعية يعني موت الدعوة؛ وما علم أن النفي هو بداية انتشار النور في الآفاق.
أسلوب الحصر بـ {إِلَّا قَلِيلًا}: إشعار بدنو أجلهم؛ فالزمن الفاصل بين ظلمهم ونزول بأس الله قصير جداً لا قيمة له في ميزان الأيام.
الإشارة والتدبر: كلما ضاقت عليك الأرض بسبب تمسكك بدينك فاعلم أن الفرج قريب؛ وأن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة كانت بداية تأسيس أعظم حضارة عرفها التاريخ؛ فالبلاء مقدمة التمكين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ثبات المصلحين عند التضييق والتهجير القسري؛ فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.