التحدي الإلهي الإعجازي بفرض أشد الأجسام صلابة وبعداً عن الحياة:
يأمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيب منكري البعث بجواب ملؤه التحدي والتعجيز؛ فإذا كنتم تستبعدون أن تعادوا لحوماً وعظاماً حية بعد أن صرتم عظاماً بالية ورفاتاً لتشابه العظام مع أصل الجسد الحي، فافرضوا أنفسكم صرتم حجارة صلبة صماء أو حديداً صلداً لا مدخل للحياة فيه بوجه من الوجوه؛ فإن قدرة الله قاهرة تجمعكم وتبعثكم أحياء كما يشاء سبحانه؛ فلا يمتنع على قدرته شيء كائناً ما كان.
تفسير الطبري (14/ 502)مصدر غير محدد١٤/٥٠٢: يروي الطبري عن مجاهد وقتادة وابن عباس والحسن: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا}: أمر تعجيز ومبالغة في التحدي؛ أي لو كنتم أشد الأشياء صلابة وبعداً عن الحياة وأبعدها عن قبول الروح (كالحجارة الصلدة أو الحديد المسبوك) لأعادكم الله كما كنتم وأحياكم؛ لأن الجمادات مسخرة في قبضة قدرته كالعظام واللحوم لا فرق عنده بين جسم وجسم.
تفسير ابن كثير (5/ 60)مصدر غير محدد٥/٦٠: يوضح الحافظ ابن كثير أن الحجارة والحديد أشد امتناعاً من العظام والرفات؛ لأن العظام كانت حية في الأصل فإعادتها أقرب للمألوف، أما الحجر والحديد فلم يكونا قط من أصل الإنسان الحي؛ فإذا كان الله قادراً على بعثكم لو كنتم حجارة أو حديداً، فقدرته على بعثكم من عظامكم البالية أظهر وأولى؛ وهو إلزام عقلي باهر.
القرطبي (10/ 306)مصدر غير محدد١٠/٣٠٦: يذكر القرطبي أن الأمر في {كُونُوا} ليس أمر تكليف، وإنما هو أمر تعجيز وإلزام وتوبيخ؛ كما قال تعالى: {كُونُوا حِجَارَةً}، وقوله: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}، والمعنى: لا يعجز الله شيء ولو تحولتم إلى أصلب الجمادات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الحِجَارَة: جمع حَجَر، وهو الجسم الصلب المعروف المتكون في قشرة الأرض، وجمعه أحجار وحجارة.
أمر التعجيز: صيغة الأمر (افعل / كونوا) إذا استعملت في غير موضع التكليف تفيد التعجيز، أو التكوين، أو الإهانة بحسب السياق.
إعراب {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا}:
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{كُونُوا}: فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع اسم كان.
{حِجَارَةً}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
{أَوْ}: حرف عطف يفيد التخيير أو التقسيم والتنويع.
{حَدِيدًا}: معطوف على {حِجَارَةً} منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كونوا في محل نصب مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الإلزام بالارتقاء الجدلي: المشركون قالوا في الآية السابقة: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا}، فاستبعدوا الحياة عن الرفات؛ فرد الله عليهم بنقل المعركة إلى ما هو أبعد عن الحياة بمراحل: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا}؛ فإن كنتم تستصعبون العظام، فصيروا حجارة أو حديداً وسترون أن قدرة الله تبتلع كل هذه الفوارق المادية التافهة.
تخصيص الحجارة والحديد: الحجارة تمثل قمة الصلابة في الجمادات الطبيعية، والحديد يمثل قمة البأس والقوة في المعادن؛ فجمع بين أصلب عنصرين يعرفهما البشر للدلالة على شمول القدرة الإلهية وسحق كل استبعاد مادي.
التمهيد للارتقاء الأكبر في الآية اللاحقة: التحدي بالحجر والحديد مهد للتحدي بما هو أكبر في صدورهم: {أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة صعوبة الإحياء باختلاف نوعية المادة:
يظن العقل المادي القاصر أن المادة اللينة يسهل إحياؤها، وأن المادة الصلبة أو المعدنية يتعذر نفاذ الروح إليها!
المحاكمة الفلسفية والعلمية الصارمة:
جميع المواد والأجسام (لحم، عظم، تراب، حجر، حديد) متماثلة في قبول القدرة الإلهية؛ لأنها جميعاً محدثة مخلوقة من العدم، وذراتها خاضعة لنواميس الصانع المبدع؛ والصعوبة والسهولة إنما تتصور في حق المخلوق الذي يعالج الأشياء بالأدوات ويبذل جهداً عضلياً؛ أما الإله القادر العليم فقدرته نسبتها إلى جميع الممكنات نسبة واحدة: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}؛ فالصلابة والرخاوة لا تعني شيئاً أمام الإرادة الإلهية النافذة.
أسلوب التعجيز بـ {كُونُوا}: إبراز للاستخفاف التام بمخاوفهم ومقاييسهم؛ فكأنه يقول لهم: افرضوا أنفسكم في أبعد الغايات عن قبول الحياة، فلن يفوتكم البعث ولن تعجزوا الله هرباً.
حذف جواب التحدي لدلالة الفحوى عليه: التقدير: كونوا حجارة أو حديداً فإن الله سيبعثكم لا محالة؛ وحذف الجواب أوقع في النفس وأبلغ في التهديد.
الإشارة والتدبر: القلوب القاسية كالحجارة أو الحديد؛ ولكن إذا مسها نور الوحي ولانت لذكر الله تحولت إلى ينابيع حية بالخشوع والرحمة؛ فلا تيأس من توبة أحد مهما كان قلبه صلداً كالحجر؛ فإن محيي الموتى قادر على إحياء القلوب الميتة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: مناظرة الخصوم بأعلى درجات الثقة وقوة الحجة؛ فالمؤمن لا يقف موقف المدافع الخجول، بل يقلب الطاولة على منكري الحق بأسلوب التحدي والبيان المنطقي القاطع.
التوجيه التربوي: تنشئة المسلم على تعظيم قدرة الله المطلقة؛ حتى لا يتسرب إلى قلبه أي استبعاد لعطاء الله ونصره وفرجه مهما استحكمت الأسباب المادية وتعقدت الأزمات.
الأثر الوجداني: يغمر وجدان المؤمن شعور بالعزة والاطمئنان لقدرة ربه؛ فالكون كله بحجارته وحديده وسمواته مطواع لأمر مولاه، فلا يرهبه بطش جبار ولا قوة حديد في أيدي الظالمين.