إسقاط سائر الموانع الذهنية وبرهان النشأة الأولى وإنغاض الرؤوس تهكماً:
يواصل الحق سبحانه تحديه؛ فلو كنتم حجارة أو حديداً أو أي خلق آخر يستعظمه خيالكم وتكبرونه في صدوركم كالسماء أو الجبال أو الموت نفسه، لأعادكم الله؛ وإذ انقطعت حجتهم وبُهتوا، سيلجأون إلى السؤال عن الفاعل: من يعيدنا ويجمعنا بعد هذا التلاشي؟! فقل لهم يا محمد: يعيدكم القادر المبدع الذي خلقكم أول مرة من العدم ولم تكونوا شيئاً؛ وحين تلزمهم الحجة فلن يجدوا جواباً إلا أن يحركوا رؤوسهم استهزاءً وتكذيباً قائلين: متى يقع هذا البعث؟ فقل لهم: عسى أن يكون زمانه قريباً؛ فإن كل آتٍ قريب وما هو بعيد فسيأتي حتماً.
تفسير الطبري (14/ 504)مصدر غير محدد١٤/٥٠٤: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: {أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ}: قال ابن عباس: «هو الموت؛ لأنه ليس شيء في صدور العباد أكبر من الموت لو كانوا هو لأحياهم الله»، وقال مجاهد وقتادة: «السماء والأرض والجبال؛ أي لو كنتم هذه الأجرام العظيمة لبعثكم الله»، {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا}: سؤال عجز، {قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}: خلقكم وأنشأكم ولم تكونوا شيئاً، {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ}: يروي الطبري عن ابن عباس: «يحركون رؤوسهم استهزاءً وإنكاراً وتكذيباً»، يقال: نَغَضَ رأسه يَنْغِضُ نَغْضاً إذا حركه إلى فوق وأسفل تعجباً واستهزاءً؛ {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ}: أي متى هذا البعث؟ {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا}: كل ما هو آتٍ فهو قريب، والموت باب القيامة.
تفسير ابن كثير (5/ 60)مصدر غير محدد٥/٦٠: يقرر الحافظ ابن كثير أن الاستدلال بالبدء على الإعادة هو أوضح الأدلة العقلية الفطرية التي لا تقبل المغالطة؛ فمن قدر على الاختراع الأول بلا أصل قادر على الإعادة من أصول موجودة؛ وأن تحريك الرؤوس (الإنغاض) هو حركة المستهزئ العاجز عن الحجة؛ ولما سألوا عن الوقت أحالهم على قربه؛ لأن القيامة تأتي بغتة.
القرطبي (10/ 308)مصدر غير محدد١٠/٣٠٨: يذكر القرطبي أن الإنغاض في لغة العرب تحريك الرأس كهيئة المتعجب أو المستهزئ المكذب؛ وأن {عَسَىٰ} من الله واجبة التحقق والوقوع؛ فالقرب متحقق لا ريب فيه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ: يستعظمه وهمكم ويعظم في قلوبكم تصوره، من الكِبَر وهو العظم والضخامة.
فَطَرَكُمْ: خلقكم وأنشأكم ابتداءً على غير مثال سابق، وأصل الفطر الشق كأنه شق العدم وأخرج منه الوجود.
يُنْغِضُونَ: من أَنْغَضَ يَنْغِضُ إنغاضاً، إذا حرّك رأسه إلى فوق وأسفل كهيئة المتعجب المستهزئ المكذب، ونَغَضَت أسنانه إذا تخلخلت وتحركت.
استعمال سين الاستقبال في {فَسَيَقُولُونَ} و{فَسَيُنْغِضُونَ}: علم غيب إعجازي؛ يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما سيقع منهم مستقبلاً، وقد وقع حرفياً كما أخبر القرآن؛ فكان ذلك آية على صدق نبوته.
نقل الخصم من إنكار "إمكانية الوقوع" إلى السؤال عن "وقت الوقوع": وهذا تحول جذري في المناظرة؛ فسؤالهم {مَتَىٰ هُوَ} إقرار ضمني بالعجز عن رد حجة الإمكان، وانتقال إلى المماطلة بالوقت؛ ففضح القرآن إفلاسهم الفكري.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاحتجاج بالجهل بالوقت على نفي الحقيقة:
يتوهم المعاندون أن عدم معرفة المسلمين بالوقت المحدد الدقيق لقيام الساعة دليل على كذب وقوعها!
المحاكمة العقلية لإبطال هذه المغالطة (مغالطة الجهل بالوقت):
الجهل بموعد وقوع الحدث لا ينفي حتمية وقوعه؛ فالإنسان يعلم قطعاً أنه سيموت ولكنه لا يعلم متى يموت؛ والكسوف والخسوف والزلازل تقع في مواعيد لا يعلمها العامة ومع ذلك تقع؛ فالإمكان العقلي والدليل البرهاني ثبت بـ {الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}؛ وتحديد الوقت يرجع إلى حكمة العليم الحكيم لإبقاء المكلفين على حذر واستعداد دائمين؛ فكان سؤالهم {مَتَىٰ هُوَ} مغالطة للهروب من الاستحقاق الإيماني.
التصوير الحركي البصري في {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ}: رسم قرآني معجز لحركة رؤوس المستهزئين حين تنقطع حججهم؛ ترى رأس المعاند يهتز ساخراً متكبراً مداراة لفضيحته العقلية وانكسار موقفه.
التنكير والإبهام في {أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ}: إطلاق يفتح الباب لكل ما يمكن أن يتخيله الخيال البشري من أعظم الأجرام والمخلوقات؛ ليكون التحدي مستوعباً لكل ما هو كائن وما يمكن أن يكون.
الإشارة والتدبر: كل آتٍ قريب، وما مضى من الدنيا كأنه حلم ليلة؛ فالموت أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، فإذا مات العبد قامت قيامته الصغرى؛ فلا تسأل بلسان الغفلة "متى هو؟" بل سل نفسك: "ماذا أعددت له؟".
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تدريب المحاور المسلم على قراءة ردود أفعال الخصوم؛ فالإنغاض والسخرية وحركات الجسد الاستهزائية هي سلاح المفلس من الحجة؛ فينبغي على الداعية الثبات ومواصلة إقامة الدليل دون انفعال.
التوجيه التربوي: غرس استحضار قرب الآخرة في سلوك الإنسان؛ فاليقين بقرب الحساب يردع النفس عن المعاصي ويدفعها دفعاً إلى المسارعة في الخيرات.
الأثر الوجداني: يرتجف وجدان المؤمن هيبة وتوقعاً ليوم القيامة، مستحضراً قوله: {قَرِيبًا}، فيطرد التسويف والأمل الكاذب من قلبه، ويعيش يومه كأنه آخر أيامه في الدنيا.