الحكم الإلهي بطرد إبليس والإنذار بمصير أتباعه في جهنم بالجزاء الوافر التام:
يجيب الله تبارك وتعالى إبليس جواب الزجر والتحقير والمهانة: اذهب لحالك فقد أمهلتك وأخرتك بحكمتي وابتلائي للعباد؛ فمن سار وراءك من ذرية آدم واختار غوايتك على هداي، فإن نار جهنم هي جزاؤكم الحتمي جميعاً (أنت وجنودك وأتباعك من الإنس)، جزاءً كاملاً تاماً موفوراً لا نقص فيه ولا تخفيف عنكم في العذاب.
تفسير الطبري (14/ 533)مصدر غير محدد١٤/٥٣٣: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {قَالَ اذْهَبْ}: أمر إهانة وتخلية وزجر؛ أي امضِ لما توعدت به ودبرته، {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ}: فأطاعك وعصى ربه من بني آدم، {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ}: مصيرك ومصيرهم جميعاً، جمعهم في الخطاب تغليظاً وتشديداً، {جَزَاءً مَّوْفُورًا}: أي جزاءً تاماً وافراً كاملاً مكالاً لا يبخس منه شيء، من وفرت الشيء أفره وفراً إذا أتممته ولم تنقصه.
تفسير ابن كثير (5/ 68)مصدر غير محدد٥/٦٨: يوضح الحافظ ابن كثير أن هذا أمر قدري كوني وليس أمر رضا؛ أي قد خليت بينك وبينهم ابتلاءً وامتحاناً؛ فمن رضي بولايتك واتبعك عذبته معك في نار جهنم عذاباً وافراً عادلاً جزاء وفاقاً؛ كما قال تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}.
القرطبي (10/ 330)مصدر غير محدد١٠/٣٣٠: يذكر القرطبي أن الموفور هو التام المعد الذي لا ينقص منه شيء؛ يقال: وفرت ماله فهو موفور؛ أي كامل العذاب لكل ظالم بحسب جرمه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
اذْهَبْ: فعل أمر مستعمل هنا للزجر والإهانة والتخلية، وليس للتكليف؛ أي امضِ لشأنك وما قُضي عليك.
مَوْفُورًا: اسم مفعول من وَفَرَ، وهو الكثير الكامل التام الذي لم ينقص منه شيء.
إعراب {قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ}:
{قَالَ}: فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو (يعود على الله).
{اذْهَبْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر وجوباً أنت، والجملة مقول القول.
الفاء استئنافية للتفريع، {مَنْ}: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{تَبِعَكَ}: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به.
{مِنْهُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الفاعل.
{جَهَنَّمَ}: اسم {إِنَّ} منصوب بالفتحة الظاهرة ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث.
{جَزَاؤُكُمْ}: خبر {إِنَّ} مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه والميم للجمع، وجملة إن واسمها وخبرها في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ {مَنْ}.
{جَزَاءً}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة مؤكد لـ {جَزَاؤُكُمْ}.
{مَّوْفُورًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الحسم الإلهي للتبجح الشيطاني: لما تبجح إبليس وتوعد بالاحتناك، جاء الجواب الإلهي مقتضباً حاسماً يحمل المهانة التامة: {اذْهَبْ}؛ فالله غني عن الخلائق، ولن يضر إبليس إلا نفسه وأتباعه.
الخطاب الجمعي التهديدي {جَزَاؤُكُمْ}: التفت من مخاطبة إبليس وحده إلى مخاطبته ومخاطبة أتباعه معاً بضمير الجمع؛ للدلالة على أن التابع والمتبوع سيجمعان في قعر جهنم في قرن واحد، فلا ينفع التابع عذره باتباع إبليس.
التمهيد لكشف أسلحة الحرب الشيطانية: هذا التحدي مهد لقوله في الآية التالية: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ}؛ لإظهار تفاهة كيد الشيطان أمام قوة الإيمان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا أمهل الله إبليس ومكنه من إغواء البشر؟:
يتساءل البعض: لو أهلك الله إبليس فور عصيانه لاستراح بنو آدم ولم يدخل أحد النار!
المحاكمة العقلية والسننية لسر الابتلاء والتكليف:
خلق الإنسان لم يكن للمتعة الساذجة، بل خُلق للاختبار والابتلاء وحمل الأمانة: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}؛ وإظهار كمال العبودية لا يتحقق إلا بوجود داعي الهوى والشيطان وداعي الحق والهدى؛ فإمهال إبليس ضرورة لنظام الابتلاء ليتمايز الصادق المجاهد لشهواته من الخبيث المتبع لهواه؛ فضلاً عن أن الله سلح الإنسان بالعقل، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأعطاه الحصانة الإيمانية؛ فمن كفر بعد ذلك فقد اختار مصيره بمحض إرادته واستحق الجزاء الموفور.