توجيه الحروف المقطعة في فواتح السور وخصوصية {المر}:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 305)جامع البيانالطبري١٦/٣٠٥ وابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: {المر} قال: «أنا الله أعلم وأرى»، فجمع بين معاني (الم) وهي "أنا الله أعلم"، ومعاني (الر) وهي "أنا الله أرى".
وقال مجاهد وقتادة والحسن البصري: «هي فواتح افتتح الله بها كتابه ليعلم عباده عجزهم عن معارضته».
قال الإمام ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 431)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٣١: «الحروف المقطعة في أوائل السور حكمة بالغة وإعجاز بين؛ حيث ركّب القرآن من هذه الحروف الهجائية التي تنطقون بها وتتخاطبون بمفرداتها، ومع ذلك عجزتم قاطبة عن الإتيان بسورة من مثله، فدل على أنه تنزيل من حكيم حميد؛ ولذا يعقب الله ذكر هذه الحروف غالباً بذكر الكتاب والقرآن، كما قال هنا: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ۗ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ}».
معنى {وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ}:
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: «الذي أنزل إليك من ربك هو هذا القرآن والوحي العظيم، هو الحق الصراح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ليس فيه كذب ولا تناقض ولا حرج».
وقال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (9/ 278)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٩/٢٧٨: «أخبر سبحانه أن القرآن حق لا مرية فيه، ولكن أكثر الناس في غيهم وجهلهم لا يصدقون به ولا يعملون بمقتضاه، كقوله تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المر
أربعة أحرف مقطعة؛ تقرأ بأسمائها: ألف، لام، ميم، را؛ مع مد اللام والميم مداً لازماً حرفياً مثقلاً في اللام ومخففاً في الميم (ست حركات)، ومد الراء مداً طبيعياً حركتين.
تِلْكَ
اسم إشارة للمؤنث البعيد، واللام للبعد والكاف للخطاب؛ وأشير به إلى الآيات لعلو شأنها ومكانتها السامية.
الْحَقُّ
الثابت الواجب الذي لا يزول ولا يتغير، المطابق للواقع والحكمة، وضده الباطل والضلال.
المر
اسم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ (أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه المر، أو مسرود لبيان عجز العرب لا محل له من الإعراب).
تِلْكَ
اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ ثان (أو خبر للمبتدأ الأول).
آيَاتُ
خبر للمبتدأ "تلك" مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
الْكِتَابِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وَالَّذِي
الواو استئنافية (أو عاطفة)، "الذي" اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
أُنزِلَ
فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على "الذي"، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
إِلَيْكَ
متعلق بـ "أنزل".
مِن رَّبِّكَ
متعلق بمحذوف حال من الضمير في أنزل (أو بـ أنزل)، و"رب" مضاف والكاف مضاف إليه.
الْحَقُّ
خبر المبتدأ "الذي" مرفوع بالضمة الظاهرة. (ويجوز عند الكوفيين أن تكون الواو عاطفة لـ "الذي" على "آيات"، ويكون "الحق" خبراً مقدماً أو نعتاً، ولكن الوجه الأول هو الأظهر والأقوى معنى وإعراباً).
وَلَٰكِنَّ
الواو حالية أو استئنافية للاستدراك، "لكن" حرف مشبه بالفعل ينصب الاسم ويرفع الخبر.
أَكْثَرَ
اسم لكن منصوب بالفتحة وهو مضاف.
النَّاسِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
لَا يُؤْمِنُونَ
"لا" نافية، "يؤمنون" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لكن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الاستهلال واقتران الوحي بالحق المطلق:
افتتحت السورة بإعلان أن القرآن هو الحق المستقر الذي لا يداخله ريب، وعقبت مباشرة ببيان حال الجماهير البشرية المعاندة: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ}؛ لتقطع من أول لحظة أي ربط موهوم بين صحة المنهج وكثرة الأتباع؛ فالحق حق بذاته وببرهانه لا بتصفيق الأكثرية.
التناسب مع خاتمة سورة يوسف السابقة:
ختمت سورة يوسف بتقرير أن القرآن: {تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111]؛ وافتتحت سورة الرعد بالتقرير نفسه: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ۗ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ}؛ ليلتحم ختام تلك بفاتحة هذه في سياق تصديق الوحي والشهادة للقرآن بالرسوخ والإحكام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الطعن في القرآن بإعراض الأكثرية:
قد يدعي مبطل: لو كان القرآن حقاً ساطعاً لآمن به أكثر الناس، وإعراض السواد الأعظم يورث ريبة في كونه إلهياً!
والجواب العقلي المحكم:
أن الإيمان تكليف عقلي وأخلاقي يستلزم مجاهدة الهوى، والترك والشهوات، والتجرد من الكبر وحب الرياسة؛ وأكثر الناس أسارى لشهواتهم وعاداتهم الموروثة؛ فإعراضهم ليس دليلاً على غموض الحق أو ضعفه، بل هو دليل على مرض نفوسهم واستسلامهم للجهل؛ كما لا يقدح عمى الأعين في سطوع شمس الظهيرة.
اسم الإشارة للبعيد في {تِلْكَ}:
استعمال الإشارة للبعيد يفيد التعظيم والتفخيم لمرتبة القرآن وآياته، كأنها في سماء العزة لا تطالها يد التحريف أو النقص.
تعريف الخبر بأل في {الْحَقُّ}:
حصر وتعريف يفيد استغراق حقيقة الحق وكماله؛ فما في هذا الوحي هو الحق المحض الذي لا تشوبه شائبة باطل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استقلال المؤمن عن ضغط الأكثرية الكافرة:
درس تربوي عظيم للمؤمن والداعية: أن لا يستوحش من قلة السالكين ولا يفتتن بكثرة المعرضين؛ فالميزان الرباني يقرر: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ}، والمؤمن يبني يقينه على وضوح الدليل لا على أعداد الجماهير.
عزة الانتماء إلى الحق المنزّل:
اليقين بأن هذا القرآن نزل من الرب العليم الحكيم يملأ قلب المسلم ثقة وطمأنينة لا تزعزعها عواصف التشكيك وشبهات الملحدين.