روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص222) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ}: يقول تعالى: ثم أهببناهم وأيقظناهم من رقدتهم الطويلة تلك كما يبعث الميت من قبره، {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ}: لنعلم علم ظهور وشهادة للناس؛ أي الفريقين المختلفين في مدة لبثهم: أهو الفريق الذي قال لبثنا يوماً أو بعض يوم؟ أم الفريق الذي قال ربكم أعلم بما لبثتم؟ وقيل: الحزبان هما المؤمنون والكافرون من أهل مدينتهم الذين اختلفوا في شأنهم وتاريخ غيبتهم، {أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا}: أي أضبط وأدق عداً لمقدار غايتهم ومدة رقودهم في الكهف.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص146): "قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ}: أي من تلك النومة، وخرج أحدهم بالورق ليشتري لهم طعاماً كما سيأتي بيانه، {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ}: أي المختلفين في مقدار مَكْثهم، {أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا}: أي أضبط لعددهم وأمدهم؛ والأمد: الغاية والمدة. وعلم الله أزلي سابق على الحوادث؛ وإنما المراد هنا علم الظهور والمشاهدة الذي تقوم به الحجة وتترتب عليه أحكام العدل الإلهي".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص367): "البعث هنا هو الإيقاظ؛ سُمي بعثاً لشبهه ببعث الموتى من القبور، وفي هذا دليل قطعي على إمكانية البعث بعد الموت؛ فإن من حفظ أجسادهم طرية وأيقظ أرواحهم بعد ثلاثمائة عام ويزيد، قادر على إعادة الأجسام بعد موتها وبلاها".
وجاء في تفسير السعدي (ص471): "كان من تمام حكمة الله في إنامتهم هذا الزمن الطويل أن يبعثهم ليظهر أمرهم للناس؛ فإذا ظهر أمرهم صاروا برهاناً ساطعاً على صدق وعد الله بالبعث، وتمايز الناس في معرفة حقيقة الأمد والمدة التي لبثوها".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص367)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٦٧*جامع البيان* (ج15، ص222)جامع البيانالطبري١٥/٢٢٢*تفسير السعدي* (ص471)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧١*تفسيره* (ج5، ص146)مصدر غير محدد٥/١٤٦
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والمعجم:
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي في الزمان، للدلالة على طول مدة النوم التي امتدت قروناً.
{بَعَثْنَاهُمْ}: فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل والهاء مفعول به والميم للجمع. والبعث في اللغة: الإثارة والتحريك من سكون أو نوم أو موت.
{لِنَعْلَمَ}: اللام لام التعليل، ونعلم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره نحن، والمصدر المؤول متعلق ببعثناهم.
{أَيُّ}: اسم استفهام مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، علق به فعل العلم عن العمل في اللفظ، وأي مضاف.
{الْحِزْبَيْنِ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه مثنى؛ والحزب هو الطائفة والجماعة من الناس تتفق على أمر ورأي.
{أَحْصَىٰ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف والفاعل مستتر (أو اسم تفضيل خبر لأي مرفوع بالضمة المقدرة)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ {أَيُّ}، وجملة المبتدأ والخبر سدت مسد مفعولي نعلم في محل نصب.
{لِمَا}: اللام حرف جر للتقوية أو التعليل، وما مصدرية أو موصولة، وجملة {لَبِثُوا} صلة الموصول أو صلة الحرف المصدري.
{أَمَدًا}: مفعول به لأحصى إذا كان فعلاً ماضياً (أو تمييز لاسم التفضيل) منصوب بالفتحة الظاهرة. والأَمَد: الغاية ومنتهى المدة الزمنية المحدودة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإعجاز في تلخيص القصة وإجمالها قبل البسط:
براعة قرآنية مذهلة في بناء القصة: من الآية (9) إلى الآية (12) لخص القرآن قصة أصحاب الكهف كاملة في أربع آيات مجملة اشتملت على جميع عناصر الدراما التاريخية:
إثارة الانتباه وتصحيح الموازين (الآية 9).
اللجوء والدعاء والانكسار (الآية 10).
النومة المعجزة والحفظ (الآية 11).
البعث واليقظة واختبار العلم بالزمن (الآية 12).
هذا الأسلوب يثير شوق السامع ويهيئ عقله لتلقي التفاصيل الدقيقة التي سيبسطها القرآن بعد ذلك في قوله: {نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة توهم "حدوث العلم الإلهي" في قوله {لِنَعْلَمَ}:
السؤال والشبهة: هل كان الله يجهل أي الحزبين أحصى حتى قال: {لِنَعْلَمَ}؟
المحاكمة العقدية والعقلية عند أهل السنة والجماعة:
علم الله تعالى أزلي تام محيط بكل ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، لا يطرأ عليه خفاء ولا يتجدد بعد جهل؛ فالله كان يعلم أزلاً كم لبثوا وأي الحزبين سيضبط أمدهم بدقة.
التعبير بـ {لِنَعْلَمَ} في القرآن الكريم يراد به أحد وجهين عقليين متسقين:
علم الظهور والشهادة: أي ليظهر ما علمناه في الأزل في عالم الواقع العياني المشهود للعباد؛ لأن الحساب والجزاء وإقامة الحجة لا تبنى على العلم الغيبي المجرد بل على الواقع المشهود.
ليعلم أولياؤنا ورسولنا والناس: فأُسند العلم إليه سبحانه لكونه هو المظهر له والمحيط به، أو لبيان كمال شرف هذا العلم وأنه من تدبيره تعالى.
التعبير بـ {بَعَثْنَاهُمْ} دون "أيقظناهم": لربط حدث الاستيقاظ بحقيقة "البعث والنشور يوم القيامة"؛ ليكون نومهم وبعثهم برهاناً حسياً قاطعاً لا يقبل الجدل على طلاقة القدرة الإلهية في إحياء الموتى.
التعبير بـ {أَمَدًا}: الأمد لفظ يدل على الغاية البعيدة المحددة بدقة؛ مما يشير إلى أن كل حركة ولبث في هذا الكون محكوم بأجل وأمد مرصود في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
الإشارة والتدبر: كل سبات في تاريخ الأمم يعقبه بعث؛ والفتية الذين ناموا قروناً مستضعفين قاموا وقد تغير وجه التاريخ وهلك الطواغيت وانتصر التوحيد؛ فاصبر واثبت؛ فإن لله سنناً تمضي في خفاء لا تبصرها عيون المستعجلين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: استخدام قصة أصحاب الكهف كأقوى برهان حواري لإثبات البعث واليوم الآخر في مواجهة الماديين ومنكري المعاد.
التوجيه التربوي: تنمية الدقة والتحري في ضبط الأمور وحساب الأوقات؛ فالقرآن يثني على من أحصى وضبط: {أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا}.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن باليقين في وعد الله بالنصر والتمكين، ويعلم أن الحق لا يموت وإن غاب دهراً، وأن العاقبة للمتقين مهما طال أمد الباطل.