حكاية أقوال الناس في عدد أصحاب الكهف وحسم الحق فيها وأدب المناظرة:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص254) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: في قوله تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ}: هذا قول نصارى نجران من اليعقوبية، {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ}: وهذا قول النسطورية منهم، وكلا القولين وصفهما الله بقوله: {رَجْمًا بِالْغَيْبِ}: أي تخرصاً وظناً كاذباً بلا علم ولا برهان، {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}: وهذا قول المسلمين وأهل التحقيق؛ ولم يعقبه الله بوصف الرجم بالغيب بل قرنه بالواو المؤكدة؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أنا من ذلك القليل الذي استثنى الله؛ كانوا سبعة وثامنهم كلبهم".
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص159): "اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام؛ حكى الله تعالى ثلاثة أقوال في عددهم؛ ضعف الأولين وقررهما بأنهما رجم بالغيب، وسكت عن الثالث فدل على صحته وثبوته، وأنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. وقوله: {قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم}: إرشاد إلى رد العلم إلى الله في مثل هذه المسائل التي لا ينبني عليها عمل كبير، {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ}: من الناس ممن أطلعه الله عليهم. {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا}: أي سهلاً خفيفاً ظاهراً لا تعمق فيه، {وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا}: أي لا تسأل أحداً من أهل الكتاب في شأنهم؛ فإنهم لا علم عندهم بل يرجمون بالظن".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص390): "في الآية أدب رفيع في المناظرة وقطع المراء العقيم؛ فإن معرفة عددهم هل كانوا ثلاثة أو خمسة أو سبعة لا يتوقف عليه أصل من أصول الدين ولا حكم شرعي مكلف به العباد؛ فالعبرة بالقدرة والحفظ والإيمان، والجدال في الفضول مذموم؛ ولهذا قال: {إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا}؛ أي ما نزل في القرآن دون الاسترسال معهم في شبهاتهم".
وجاء في تفسير السعدي (ص473): "في هذه الآية فوائد جليلة: النهي عن استفتاء من لا علم عنده أو من علمه مبني على الظن، والنهي عن المراء والجدال إلا على وجه إظهار الحق بالتي هي أحسن دون خصومة ومغالبة، وتربية العقل على التركيز على ما ينفع من المقاصد والعبر دون الاشتغال بالجزئيات التي لا ثمرة تحتها".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص390)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٩٠*جامع البيان* (ج15، ص254)جامع البيانالطبري١٥/٢٥٤*تفسير السعدي* (ص473)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٣*تفسيره* (ج5، ص159)مصدر غير محدد٥/١٥٩
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{ثَلَاثَةٌ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هم ثلاثة) مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة مقول القول في محل نصب.
{رَّابِعُهُمْ}: مبتدأ مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{كَلْبُهُمْ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وجملة {رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} في محل رفع نعت لـ {ثَلَاثَةٌ}.
{وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ}: إعرابها كسابقتها تماماً، معطوفة عليها.
{رَجْمًا}: مفعول لأجله منصوب بالفتحة الظاهرة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (يرجمون رجماً)؛ والرَّجْم بالغيب هو الرمي بالظن والتخمين دون دليل.
{بِالْغَيْبِ}: جار ومجرور متعلق برجماً؛ والغيب هو ما غاب عن الحواس والعلم.
{وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}: معطوفة، سبعة خبر لمبتدأ محذوف، الواو واو العطف أو واو الحال أو واو الثمانية عند طائفة من النحاة، وثامنهم مبتدأ وكلبهم خبر والجملة نعت لسبعة أو حال.
{قُل}: فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر تقديره أنت.
{رَّبِّي}: مبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{أَعْلَمُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو اسم تفضيل.
{يَعْلَمُهُمْ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة والهاء مفعول به والميم للجمع.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء مفرغ.
{قَلِيلٌ}: فاعل يعلمهم مرفوع بالضمة الظاهرة.
{فَلَا}: الفاء فصيحة، ولا ناهية جازمة.
{تُمَارِ}: فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره أنت. والمماراة هي المجادلة والمنازعة.
{فِيهِمْ}: جار ومجرور متعلق بتمار.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{مِرَاءً}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة.
{ظَاهِرًا}: نعت لمراء منصوب بالفتحة، وهو الجدال الهادئ المبني على إيراد الحجة الظاهرة دون استقصاء وتكلف.
{وَلَا تَسْتَفْتِ}: الواو عاطفة، لا ناهية جازمة، تستفتِ فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء) والفاعل مستتر. والاستفتاء هو طلب الفتيا والبيان.
{فِيهِم}: متعلق بتستفت.
{مِّنْهُمْ}: متعلق بمحذوف حال من أحداً.
{أَحَدًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البلاغة في حكاية الخلاف وحسمه وترتيب الأولويات:
تدرج الأقوال ودلالة السكوت: حكى الله الأقوال الثلاثة مرتبة ترتيباً تصاعدياً: (3 - 5 - 7)؛ وأبطل القولين الأولين صراحة بوصفهما {رَجْمًا بِالْغَيْبِ}، وسكت عن الثالث وأكده بالواو {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}، مما أورث اليقين بصحته عند المحققين كابن عباس.
رد علم التفاصيل إلى العليم الخبير: قوله {قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} يعلم الأمة أدب الاعتراف بحدود المعرفة البشرية، وعدم إهدار الطاقات في تتبع الجزئيات التي لا يبنى عليها هدى ولا عمل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تأسيس منهج "الاستقلال المعرفي وضوابط الاستفتاء والمناظرة":
المحاكمة المعرفية والأصولية:
قوله تعالى: {وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا} يؤسس لأصل عقلي وأصولي عظيم: لا يجوز طلب المعرفة أو الفتيا من مصدر فاقد للأهلية والتثبت؛ فأهل الكتاب تفرقت بهم السبل وتناقضت أناجيلهم ورواياتهم وصاروا يتخرصون بالظنون؛ فكيف يُلتمس التحقيق من مرتاب جاهل؟!
تحرير منهج البحث العلمي: النهي عن "المراء المتكلف": {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا}؛ ينبغي للمسلم أن يطرح الحق الناصع بوضوح ورفق، فإذا رأى من خصمه ركوباً للتعنت والجدل البيزنطي العقيم في هوامش لا قيمة لها كف عن الجدال وحفظ وقته وفكره.
الاستعارة التصويرية في {رَجْمًا بِالْغَيْبِ}: تشبيه من يتكلم بلا علم ولا برهان بمن يقذف الحجارة إلى مكان مظلم مجهول؛ لا يصيب هدفاً ولا يرجع منه بطائل إلا التعب وإيذاء الآخرين.
لطيفة "واو الثمانية": دخول الواو في القول الثالث {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} دون القولين السابقين؛ لبيان استقرار المعنى وثبوت النعت وكمال الصفة وصدق المقالة.
الإشارة والتدبر: ما أكثر ما يضيع الناس أوقاتهم وجهودهم في نقاشات عقيمة وجدل تافه حول "عدد أصحاب الكهف" أو "لون كلبهم" أو "نوع عصا موسى"، ويغفلون عن جوهر التوحيد والبعث والعمل الصالح! احذر الرجم بالغيب والزم ما ينفعك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: حماية مجالس العلم والدعوة من الانزلاق إلى المناظرات العقيمة التي تورث قسوة القلوب والفرقة والشحناء.
التوجيه التربوي: توثيق مصادر التلقي؛ فلا يؤخذ العلم والفتوى إلا عن العلماء الربانيين الراسخين المشهود لهم بالتقوى والاتقان.
الأثر الوجداني: يشعر المؤمن بالسكينة والراحة حين يسلم زمام الغيب لله، مكتفياً بما أتاه الوحي من الحق والهدى والنور.