روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص212) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا}: يقول تعالى ذكره: وإنا لمصيرون جميع ما على وجه الأرض من زينة ونبات وأبنية وشجر وقصور تراباً ملساء مستوية لا شيء عليها، وجُرُزاً: أي يابسة قاحلة لا تنبت شيئاً، قد انقطع ماؤها وأكل نباتها؛ كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا}.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص142): "يخبر تعالى عن فناء هذه الدار وزوالها وانقضائها وفراغها وخرابها؛ وأنها صائرة إلى بوار، وأنه سيجعلها صعيداً جرزاً؛ والصعيد: وجه الأرض المستوي، والجرز: التي لا تنبت شيئاً؛ كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا}".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص359): "الصعيد في كلام العرب: التراب الأملس المستوي، والجُرُز: الأرض المقطوعة النبات التي أهلك كل ما فيها؛ يقال: جرزت الأرض إذا أكل نباتها واستؤصل، وسيف جراز: قاطع؛ فالمعنى: سنمحو كل أثر للحياة والعمران عند انقضاء أجل الابتلاء".
وجاء في تفسير السعدي (ص470): "هذه الآية تبين نهاية الزينة الدنيوية؛ فكما أن بدايتها إيجاد واختبار، فنهايتها فناء ودمار، فتصبح الأرض صعيداً ترابياً جرزاً لا نفع فيه ولا جمال؛ ليعلم العاقل أن داراً هذه عاقبتها لا تستحق أن تباع بالآخرة الباقية".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص359)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٥٩*جامع البيان* (ج15، ص212)جامع البيانالطبري١٥/٢١٢*تفسير السعدي* (ص470)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٠*تفسيره* (ج5، ص142)مصدر غير محدد٥/١٤٢
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والمعجم:
{وَإِنَّا}: الواو عاطفة لمقابلة البداية بالنهاية، وإن حرف توكيد ونصب، ونا ضمير متصل اسمها.
{لَجَاعِلُونَ}: اللام المزحلقة للتوكيد، وجاعلون خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وهو اسم فاعل يعمل عمل فعله المتعدي لاثنين.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول لاسم الفاعل {جَاعِلُونَ}.
{عَلَيْهَا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول لا محل لها، والضمير يعود على الأرض.
{صَعِيدًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة. والصعيد لغة: وجه الأرض المرتفع المستوي الممتلئ تراباً، من صَعِدَ يَصْعَدُ.
{جُرُزًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة لـ {صَعِيدًا}؛ والجُرُز (بضمتين أو بضم وسكون) صفة مشبهة للأرض اليابسة المجدبة التي انعدم نباتها ومات خضرها، من جَرَزَ الشيء إذا استأصله وقطعه قطعاً كاملاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الإعجازية الخارقة في ميزان البيان:
رسم القرآن مسرح الوجود البشري في مشهدين متقابلين يكمل أحدهما الآخر:
المشهد الأول في الآية (7): مشهد النضرة والبهجة والزخرف والحياة والفتنة والابتلاء {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا}.
المشهد الثاني في الآية (8): مشهد الخراب واليباس والفناء والتجريد المطلق {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا}.
هذا التقابل النظمي العنيف يوقظ العقل البشري المفتون من سكرته؛ فبين البداية والنهاية ومضة امتحان يسيرة؛ فكيف يبني الإنسان آماله وأمجاده على أرض محكوم عليها بالصيرورة إلى صعيد جرز؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقلية لسقوط "الخلود المادي للحضارات":
التحليل التاريخي والكوني:
الحضارات الإنسانية المتغطرسة بقوتها وعمرانها وتقنياتها تبني ناطحات السحاب ومصانع القوة وتتوهم أنها بلغت درجة الخلود والاستغناء عن إرادة الله؛ كما قال أصحاب إرم: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}.
الناموس الكوني الذي وضعه الله يقضي بأن كل نتاج مادي على هذه الأرض يؤول حتماً إلى الزوال والاندثار والتراب؛ والتاريخ البشري شاهد على عروش وإمبراطوريات عظيمة ابتلعتها الأرض وصارت أثراً بعد عين.
النتيجة العقلية الحتمية: لا قيمة لخلود لا يرتكز على الإيمان بالباقي الأزلي سبحانه، وكل عمارة في الأرض لا تبتغي رضوان الله هي عمارة فوق صعيد جرز محتوم.
الطباق المعنوي العظيم: بين التزيين والبهجة في {زِينَةً}، وبين المحو والاستئصال التام في {صَعِيدًا جُرُزًا}.
استعمال اسم الفاعل المؤكد باللام {لَجَاعِلُونَ}: لإفادة تحقيق الوقوع وثبوته واستقراره كأنه واقع الآن لا محالة؛ فما هو آتٍ قريب ومتحقق.
الإشارة والتدبر: إذا كانت هذه الجبال الراسية، وتلك الأنهار الجارية، وهذه المدن العامرة ستتحول كلها إلى صعيد جرز وتراب يابس؛ فماذا سيبقى لك أنت أيها المخلوق الضعيف؟! لن يبقى لك إلا ما قدمته من عمل أحسن ادخرته ليوم الفقر والفاقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تذكير أهل الغفلة والبذخ بمصير هذا الكوكب، لتهدئة سعار الصراع على المكتسبات الدنيوية الفانية وإيقاظ البصائر نحو الاستثمار في الآخرة.
التوجيه التربوي: تربية القلوب على الزهد الرشيد؛ فالزهد ليس فقر الأبدان، بل هو غنى النفوس بعدم التعلق بالمتاع الفاني والصعيد الجرز.
الأثر الوجداني: تتضاءل الدنيا وزخارفها في عين المؤمن، ويسكن في قلبه الرضا، ويقبل على الباقيات الصالحات بكل طاقته وعزيمته.