سبب النزول والأمر بملازمة فقراء المؤمنين والنهي عن طاعة الغافلين:
أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (ج15، ص270) وابن أبي حاتم والحاكم عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وخباب بن الأرت رضي الله عنهم: أن رؤساء قريش وكبراءها (كأمية بن خلف وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس) جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأوا عنده فقراء الصحابة والمستضعفين كبلال وعمار وصهيب وسلمان وخباب في ثياب رثة، فقالوا كبراً واستعلاءً: يا محمد، نحّ هؤلاء عنك واطردهم من مجلسك، واجعل لنا مجلساً خاصاً نقعد فيه معك لتجلس فيه أشراف العرب ووفودهم؛ فإنا نستحي أن ترانا وفود العرب نقعد مع هؤلاء الأعبد؛ فإن فعلت جلسنا إليك واستمعنا منك لعلنا نتبعك! فهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حرصاً على إسلامهم وإسلام قومهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية الزاجرة الحاسمة: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ...}.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص166): "يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجلس مع الضعفاء من المؤمنين والمساكين، ويعاشرهم ويؤانسهم؛ فإنهم خيرة أهل الأرض وأولياء الله، {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}: أي يبتغون بأعمالهم ودعائهم وجه الله الكريم ورضوانه، لا يريدون رياء ولا سمعة ولا حظاً من حظوظ الدنيا. {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: أي لا تصرف بصرك واهتمامك عنهم إلى أبناء الدنيا من الأغنياء والمترفين. {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا}: وهو عيينة بن حصن وأضرابه ممن شغلته دنياه واتبع هواه، {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}: أي ضائعاً مبدداً مفروطاً لا نظام له ولا عاقبة خير فيه".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص403): "اصبر نفسك: أي احبسها وثبتها؛ والصبر الحبس؛ ومنه قتيل الصبر. والغداة والعشي: أول النهار وآخره؛ ويدخل فيه الصلوات الخمس والذكر المستمر. ولا تعد عيناك: أي لا تتجاوزهم عيناك إلى غيرهم من أهل الدنيا. والفرط: التضييع والتفريط والهلاك".
وجاء في تفسير السعدي (ص474): "في الآية أعظم دستور للصحبة واختيار الجلساء؛ أمر بملازمة المخلصين الصالحين وإن كانوا فقراء مستضعفين، والنهي الصارم عن إيثار أهل الدنيا وأرباب المناصب والجاه، والتحذير من طاعة الغافلين الذين غلبت عليهم أهواؤهم وضاعت أعمارهم في الفراغ والضياع".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص403)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٤٠٣*تفسير السعدي* (ص474)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٤*تفسيره* (ج15، ص270)مصدر غير محدد١٥/٢٧٠*تفسيره* (ج5، ص166)مصدر غير محدد٥/١٦٦
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والمعجم:
{وَاصْبِرْ}: الواو عاطفة، اصبر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت. والصبر لغة: الحبس والمنع والكف.
{نَفْسَكَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة والكاف مضاف إليه.
{مَعَ}: ظرف مكان للمصاحبة منصوب بالفتحة متعلق باصبر.
{وَاتَّبَعَ}: الواو عاطفة، اتبع فعل ماض والفاعل مستتر.
{هَوَاهُ}: مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة والهاء مضاف إليه.
{وَكَانَ}: الواو عاطفة أو حالية، كان ماض ناقص واسمها مستتر يعود على أمره أو هو.
{أَمْرُهُ}: اسم كان مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه.
{فُرُطًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة؛ والفُرُط لغة: الإسراف والتضييع والإفراط والتفلت والهلاك، من فَرَطَ الأمر إذا تشتت وضاع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء معايير القيمة الإنسانية في الميزان الرباني:
نسف الطبقية الجاهلية: في سورة الكهف التي تحارب الفتن، تأتي هذه الآية لتدمر "فتنة الجاه والطبقية الاجتماعية"؛ فنهت النبي صلى الله عليه وسلم والمصلحين من بعده عن طرد الفقراء الصالحين لإرضاء رؤوس الأموال والوجهاء؛ لأن قيمة الإنسان عند الله بإيمانه وإخلاصه: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}، لا برصيده المادي وثيابه الفاخرة.
الصنف الثاني: وجهاء غافلون أغلقت قلوبهم عن الذكر واتبعوا أهواءهم وصارت حياتهم فوضى وتفريطاً وهلاكاً؛ فشتان بين الفريقين!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير مفهوم "إغفال القلب" ودفع شبهة الجبر:
السؤال: كيف يقول {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} ثم يعاقبه على ذلك؟
المحاكمة العقدية والعقلية عند أهل السنة:
الإغفال في اللغة يأتي بمعنى: صادفناه غافلاً وألفيناه تاركاً للذكر؛ كما يقال: أبخلت الرجل إذا وجدته بخيلاً، وأحمقت الرجل إذا ألفيته أحمق.
ويأتي الإغفال جزاءً وفاقاً وسنة سننية؛ فلما آثر هذا الطاغية هواه واستكبر عن الحق وبطر النعمة، عاقبه الله بسلب التوفيق وطبع على قلبه بالغفلة؛ كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}؛ فالعبد هو الذي اختار الغفلة واتبع الهوى أولاً، فجازاه الله بالحرمان ثانياً.
وصف عاقبة المتبع للهوى بـ {فُرُطًا} قانون كوني؛ فكل من ترك هدى الله واتبع شهواته تشتت أمره، وضاع عمره، وفقد البركة، وصار أمره ندامة وحسرة.
التعبير بـ {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ}: الصبر يتطلب مجاهدة وكبحاً لجماح النفس؛ لأن النفس البشرية قد تمل من مجالسة البسطاء وتميل إلى مجاراة أصحاب البريق والجاه؛ فجاء الأمر بالحبس الصارم في محراب الصالحين.
الكناية في {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ}: أسند التعدي إلى العينين للمبالغة في النهي عن أدنى صرف للبصر والاهتمام عنهم؛ فالنظر بوابة القلب.
الإيجاز الإعجازي في {فُرُطًا}: كلمة واحدة اختزلت مأساة الإنسان التائه المنقطع عن الله؛ حيث ينفرط عقد حياته كما ينفرط عقد اللؤلؤ فيضيع كل شيء.
الإشارة والتدبر: انظر من تجالس! فإن مجالسة الغافلين المفرطين تعدي وتورث القسوة، ومجالسة الذاكرين المخلصين تثبت الإيمان وتنزل السكينة؛ فالمرء على دين خليله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الثبات على المبادئ الدعوية ورفض الخضوع لإملاءات الطغاة وأصحاب النفوذ؛ فالدعوة لا تقوم على التنازل عن الضعفاء المخلصين لاسترضاء الكبراء.
التوجيه التربوي: اختيار الصحبة الصالحة التي تعين على ذكر الله وطاعته بالغداة والعشي، والحذر التام من صحبة أهل الغفلة والهوى.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن حباً للمؤمنين المستضعفين، متواضعاً لله، مستغنياً بذكره، حريصاً على وقته وعمره من أن يضيع فرطاً.