روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص229) بإسناده عن مجاهد وقتادة وابن جريج في قوله تعالى: {هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً}: قال الفتية بعضهم لبعض حين خلا بعضهم ببعض: هؤلاء أهل بلدتنا وعشيرتنا قد أشركوا بالله وعبدوا الأصنام من غير حجة ولا برهان، {لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ}: فهلا يأتون على صحة عبادة هذه الآلهة بحجة واضحة ودليل ظاهر؟! وهذا تحضيض يتضمن معنى التعجيز التام ونفي وجود أي برهان على الشرك، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}: فلا أحد أشد ظلماً وعدواناً وجراءة على الله ممن اختلق عليه الكذب وزعم له شريكاً أو ولداً بغير علم.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص148): "لما ذكروا ما هم عليه من الهدى والرشاد، ذكروا ما عليه قومهم من الضلال والجهل، فقالوا: {هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ}: أي هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلاً واضحاً صحيحاً؟! {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}: أي بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك مفترون".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص371): "السلطان في كلام العرب: الحجة والبرهان؛ وسُمي سلطاناً لأنه يسلط صاحبه على خصمه فيقهره بالحجة؛ والمعنى: لا حجة لهم البتة، بل هم مقلدون جاهلون. وفي الآية دليل على أن من ادعى دعوى في أصول الدين فإنه ملزم بإقامة البرهان القاطع عليها، وإلا كان مبطلاً ظالماً".
وجاء في تفسير السعدي (ص471): "استدل الفتية على بطلان شرك قومهم بعدم الدليل؛ فإن العبادة لا تصح إلا بدليل قطعي من الله، فإذا عدم الدليل على ألوهية الأصنام ثبت أنها باطلة؛ ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب بنسبة الشركاء والنقائص إليه سبحانه؟!".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص371)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٧١*جامع البيان* (ج15، ص229)جامع البيانالطبري١٥/٢٢٩*تفسير السعدي* (ص471)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧١*تفسيره* (ج5، ص148)مصدر غير محدد٥/١٤٨
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية الدلالية:
{هَٰؤُلَاءِ}: الهاء للتنبيه، وأولاء اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ.
{قَوْمُنَا}: قوم عطف بيان أو بدل من اسم الإشارة مرفوع بالضمة، ونا ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{اتَّخَذُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ {هَٰؤُلَاءِ}.
{مِن دُونِهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من آلهة، والهاء مضاف إليه.
{آلِهَةً}: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة لاتخذوا (أو مفعول ثانٍ والمفعول الأول محذوف تقديره اتخذوا الأصنام آلهة).
{لَّوْلَا}: حرف تحضيض وتعجيز يقتضي توبيخاً ونفياً في المعنى.
{يَأْتُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{عَلَيْهِم}: جار ومجرور متعلق بيأتون؛ والضمير يعود على الآلهة أو على القول والعبادة.
{بِسُلْطَانٍ}: جار ومجرور مفعول به ليأتون؛ والسلطان هو الحجة القاهرة والبرهان الحاسم.
{بَيِّنٍ}: نعت لسلطان مجرور بالكسرة الظاهرة، من أبان يبين إذا وضح وضوحاً تاماً.
{فَمَنْ}: الفاء استئنافية، ومن اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي العام (لا أحد).
{أَظْلَمُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو اسم تفضيل.
{مِمَّنِ}: من حرف جر، ومن اسم موصول مبني في محل جر متعلق بأظلم.
{افْتَرَىٰ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{عَلَى اللَّهِ}: جار ومجرور متعلق بافترى.
{كَذِبًا}: مفعول به لافترى أو مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في التسلسل المنطقي للحوار الداخلي:
الانتقال من إعلان الإيمان إلى نقد الباطل ومحاكمته: بعد أن أثبتوا توحيدهم في الآية السابقة {لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا}، عطفوا على تفكيك باطل قومهم؛ لترسيخ قناعتهم العقلية بأن شرك القوم أوهام وسخافات لا برهان عليها.
التحضير لقرار الاعتزال والمفاصلة: هذا الحوار العقلي الصريح كشف للفتية استحالة البقاء والتعايش الفكري مع هؤلاء القوم المفرين الكاذبين، فكان مقدمة طبيعية للقرار الحاسم في الآية التالية: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تأسيس القاعدة المعرفية: "عدم الدليل دليل على البطلان في قضايا الغيب والعبادة":
المحاكمة المنطقية والفلسفية:
في قضايا الاعتقاد والغيبيات والألوهية، لا يجوز للإنسان أن يثبت أمراً إلا ببرهان قطعي مسنود بالوحي المعصوم والعقل الصريح؛ لأن العقل المجرد لا يستقل بمعرفة تفاصيل ما يرضي الله وما لا يرضيه.
استدلال الفتية بـ {لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} يمثل أرقى قواعد التفكير العلمي؛ فالدعوى العارية عن السلطان البرهاني هي مجرد خرافة وسقوط عقلي وافتراء على الله.
وصف هذا الفعل بأنه "أعظم الظلم" {فَمَنْ أَظْلَمُ}؛ لأن وضع العبادة في غير موضعها وصرفها لحجر أو مخلوق عاجز هو قلب للحقائق الكونية وظلم للحقيقة وللنفس الإنسانية المكرمة.
التحضيض التعجيزي بـ {لَّوْلَا}: لإظهار الإفلاس المطلق للمشركين؛ فهم يعبدون ما لا يملكون أدنى حجة على ألوهيته.
الاستفهام الإنكاري في {فَمَنْ أَظْلَمُ}: يفيد نفي المساواة في الظلم؛ فمن افترى على الله كذباً قد بلغ الغاية في الفجور والجور، ولا يلحقه في ظلمه أحد.
الإشارة والتدبر: ما أشبه الليلة بالبارحة! كم من مذاهب وأيديولوجيات معاصرة تروج اليوم بين الناس وتفرض بأسلحة الإعلام والقوة دون أن يقيم أصحابها عليها {سُلْطَانٍ بَيِّنٍ} من علم أو عقل! فكن كأصحاب الكهف مستمسكاً بسلطان البرهان القرآني ولا تغتر بزبد الباطل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: مطالبة المخالفين دوماً بالبراهين والأدلة العقلية والنقلية، وعدم قبول أي دعوى في الدين بغير حجة بيّنة وسلطان ناصع.
التوجيه التربوي: تنمية التفكير النقدي في نفوس الناشئة، وتعويدهم على وزن الآراء بميزان الحق والبرهان لا بميزان الشهرة والكثرة.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن بالثقة واليقين بنور التوحيد، ويشعر بالشفقة والترفع عن تخبط أهل الأهواء والضلال المنقطعين عن حبل الله المتين.