إعلان حقانية الدين وحرية الاختيار والوعيد المرعب للظالمين:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص273) بإسناده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ}: يقول تعالى لنبيه: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المستكبرين: هذا الذي جئتكم به هو الحق الثابت الصادق من عند ربكم لا شك فيه، {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}: هذا لفظه لفظ التخيير، ومعناه التهديد والوعيد الشديد؛ أي: من اختار الإيمان فله النجاة وثوابه، ومن اختار الكفر فلينتظر عذابه ونكاله؛ كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص168): "ثم توعد تعالى الكافرين الظالمين الذين كفروا بالحق فقال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}: السرادق هو السور أو الحائط المحيط بهم؛ وقيل الدخان الذي يحيط بهم من كل جانب؛ كما في الحديث: 'لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار مسيرة أربعين سنة'. وقوله: {وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ}: قال ابن مسعود: هو كعَكَرِ الزيت المغلي إذا قُرّب إلى الوجه سقطت فروة الوجه فيه؛ {بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}: أي بئست النار منزلاً ومستقراً ومجلساً".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص406): "صيغة الأمر في {فَلْيَؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} للتهديد والإنذار باتفاق المفسرين؛ كقول الأب المغضب لولده: افعل ما بدا لك وسترى ما يحل بك! والسرادق: كل ما أحاط بالشيء كالحجرة والفسطاط والسور. والمهل: النحاس المذاب أو القطران أو دردي الزيت المغلي الذي بلغ أقصى درجات الحرارة".
وجاء في تفسير السعدي (ص474): "الحق قد استبان واتضح دليله، ولم يبق إلا الاختيار والمسؤولية؛ ثم بين مصير الظالمين في نار أحاط بهم سورها فلا خروج منها، وإذا طلبوا الغوث لشدة العطش أُغيثوا بماء مهل شديد الحرارة يشوي الوجوه قبل أن يصل إلى البطون؛ فبئس ذلك الشراب وساءت تلك الدار مرتفقاً".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص406)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٤٠٦*جامع البيان* (ج15، ص273)جامع البيانالطبري١٥/٢٧٣*تفسير السعدي* (ص474)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٤*تفسيره* (ج5، ص168)مصدر غير محدد٥/١٦٨
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والمعجم:
{وَقُلِ}: الواو استئنافية، قل فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{الْحَقُّ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِن رَّبِّكُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ورب مضاف والكاف مضاف إليه والميم للجمع؛ والجملة الاسمية مقول القول في محل نصب.
{فَمَن}: الفاء فصيحة أو عاطفة، ومن اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
{شَاءَ}: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر يعود على من، ومفعول المشيئة محذوف تقديره (شاء الإيمان).
{فَلْيُؤْمِن}: الفاء رابطة لجواب الشرط، واللام لام الأمر تفيد التهديد والوعيد، ويؤمن فعل مضارع مجزوم بالسكون والفاعل مستتر، والجملة في محل جزم جواب الشرط؛ وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ {مَن}.
{وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}: إعرابها كسابقتها تماماً معطوفة عليها.
{إِنَّا}: إن واسمها.
{أَعْتَدْنَا}: فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل، والجملة في محل رفع خبر إن؛ والإعتاد هو التهيئة والإعداد المسبق.
{لِلظَّالِمِينَ}: جار ومجرور متعلق بأعتدنا.
{نَارًا}: مفعول به لأعتدنا منصوب بالفتحة الظاهرة.
{أَحَاطَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{بِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بأحاط.
{سُرَادِقُهَا}: فاعل مرفوع بالضمة، وها مضاف إليه، والجملة في محل نصب نعت لناراً. والسُّرَادِق في اللغة: السور المحيط بالبناء، أو الفسطاط والسرادق المضروب حول الشيء.
{مُرْتَفَقًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة؛ والمرتفق هو المتكأ والمجلس والموضع الذي يرتفق به الإنسان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في المعمار الإيماني للسورة:
إعلان عزة العقيدة واستغنائها عن المساومات: بعد أن نهى النبي عن طرد الفقراء لإرضاء كبراء قريش، أمره هنا بأن يواجههم بالحقيقة الصادعة: الحق واضح مكشوف، والإسلام لا يستجدي أحداً، فمن اهتدى فلنفسه ومن كفر فعليها.
المقابلة البلاغية والتهكمية المرعبة:
طلب الإغاثة عند العطش الشديد {وَإِن يَسْتَغِيثُوا}، ليأتي الجواب بأسلوب المشاكلة والتهكم: {يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ}؛ فكانت الغوث عين العذاب والانتقام.
المقابلة التامة مع الآية اللاحقة في نعيم المتقين: ختم هنا بـ {سَاءَتْ مُرْتَفَقًا}، وسيختم في الآية (31) بنعيم المتقين بـ {حَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة القائلين بـ "جواز الكفر وحرية الإلحاد" من الآية:
تعلق بعض المتفلسفين بقوله: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} لزعم أن القرآن يبيح الكفر ويجعله خياراً مشروعاً كالإيمان!
المحاكمة العقلية واللغوية الصارمة:
صيغة الأمر هنا هي "أمر تهديد ووعيد" بإجماع علماء اللغة والتفسير؛ وليست أمراً تشريعياً بالتخيير والرضا؛ ودليل ذلك الصريح السياق والسباق؛ إذ أعقبها مباشرة ببيان العقاب الماحق لمن اختار الكفر: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا}.
مثل ذلك في العرف والعقل كقول القاضي للمجرم: "افعل ما تشاء واذهب للمشنقة"، أو كقول الله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}؛ فالعاقل لا يفهم من هذا إباحة الجريمة، بل يفهم حتمية المحاسبة عليها.
الآية تقرر مبدأ "المسؤولية الإنسانية الحرة"؛ فالإنسان ليس مجبراً مقهوراً على الإيمان، بل هو كائن مختار ممتحن، ولكن اختياره للكفر يجعله مستحقاً للنار بالعدل الإلهي المطلق.
أسلوب التهكم البديع في {يُغَاثُوا}: استعمل لفظ الإغاثة في موضع العذاب والنكال على سبيل التهكم بالظالمين؛ فبدلاً من الماء البارد المغيث، يصب عليهم ماء كالمهل ينسلخ منه لحم وجوههم.
التصوير البصري والحسي المروع: في قوله: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} و{يَشْوِي الْوُجُوهَ}؛ صور النار كبناء شاهق مغلق لا مفر منه، وصور أثر الماء المغلي على الوجه الإنساني تصويراً تقشعر منه الأبدان.
الإشارة والتدبر: كم من لذة عاجلة في الدنيا تورث هذا الشواء وتلك الحسرة الأبدية! فاحذر أن تبيع الفلاح الأبدي بشهوة عابرة تنتهي بك إلى دار بئس شرابها وساءت مرتفقاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الجهر بالحق بعزة ووضوح دون تملق للباطل، والجمع بين الدعوة بالحكمة والترهيب الصادق من عذاب جهنم.
التوجيه التربوي: غرس الوعي بالمسؤولية الفردية عن الاختيارات العقدية والسلوكية؛ فالإنسان رهين ما كسبت يداه.
الأثر الوجداني: يرتجف قلب المؤمن خوفاً ووجلاً من عذاب جهنم ونارها المحيطة، ويلهج لسانه بالاستعاذة بالله من هذا المصير المرعب.