تثبيت الله لقلوب الفتية وجهرهم بكلمة التوحيد أمام الطغيان:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص226) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}: يقول تعالى ذكره: وقوينا قلوبهم بالصبر والإيمان والثبات التام، وشددنا عزائمهم حتى هان عليهم فراق الأهل والديار والنعيم، ولم يرهبهم بطش ملكهم الجبار، {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: حين انتصبوا بين يدي الملك الظالم وقيل بين قومهم معلنين البراءة من الأوثان، جاهرين بأن خالق الكون ومدبره هو وحده الإله المستحق للعبادة، {لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا}: لن نعبد معه غيره أبداً، {لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا}: لئن دعونا غيره أو زعمنا له شريكاً لقد قلنا إذاً قولاً مفرطاً في الظلم والكذب والجور ومجاوزة الحد.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص148): "يقول تعالى: وصبرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والنعمة؛ وربطنا على قلوبهم باليقين والشجاعة حين قاموا فقالوا معلنين التوحيد الخالص: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا}؛ والشطط: هو الجور والباطل ومجاوزة الحد في الافتراء".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص369): "الربط على القلب عبارة عن إلهام الصبر وسكون النفس عند المخاوف والشدائد؛ مأخوذ من شد الحبل على الشيء لئلا ينفلت؛ كقوله تعالى في أم موسى: {لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا}. والقيام هنا يدل على الجرأة والعزم والمجاهرة بالحق دون مواربة أو مداهنة".
وجاء في تفسير السعدي (ص471): "الربط على القلوب من أعظم نعم الله على أوليائه عند الفتن والمحن؛ ثبّت الله قلوبهم حتى صمدوا أمام التهديد بالموت، وجاهروا بالتوحيد الخالص، ووصفوا الإشراك بأنه شطط وضلال مبين".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص369)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٦٩*جامع البيان* (ج15، ص226)جامع البيانالطبري١٥/٢٢٦*تفسير السعدي* (ص471)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧١*تفسيره* (ج5، ص148)مصدر غير محدد٥/١٤٨
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والمعجم:
{وَرَبَطْنَا}: الواو عاطفة، ربطنا فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل. والرَّبْط في اللغة هو الشد والإيثاق والتثبيت والإمساك بقوة.
{مِن دُونِهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من إلهاً، والهاء مضاف إليه.
{إِلَٰهًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{لَّقَدْ}: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، وقد حرف تحقيق.
{قُلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل.
{إِذًا}: حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل له.
{شَطَطًا}: مفعول به لقلنا (أو نعت لمصدر محذوف؛ أي قولاً شططاً، أو مفعول مطلق). والشَّطَط في اللغة هو التباعد الشديد عن الحق ومجاوزة الحد في الظلم والافتراء، من شَطَّ يَشِطُّ شَطَطاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في تصوير الملحمة الإيمانية:
الربط السببي بين التثبيت الإلهي والمواجهة الشجاعة: بينت الآية أن قيام الفتية لم يكن تهوراً طائشاً ولا حركة عاطفية غير محسوبة، بل كان نتاج "ربط إلهي" وتثبيت رباني أفرغ السكينة في قلوبهم فانتصبوا للحق انتصاب الأطواد الشامخة.
التسلسل الإعلاني للتوحيد: بدأوا بتقرير ربوبية الله العامة للكون {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} لإلزام الخصم، ثم فرعوا عليه توحيد الألوهية والعبادة {لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا}، ثم حكموا على كل انحراف عنه بأنه "شطط" وزور وباطل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سيكولوجية الثبات الإيماني في وجه القهر والاستبداد:
المحاكمة العقلية والنفسية:
الطبيعة البشرية الضعيفة تميل غريزياً إلى الخوف والهلع عند مواجهة الموت والتعذيب والبطش السلطوي، ولا سيما من شبان صغار السن نشأوا في النعيم.
صمود الفتية وإعلانهم الحاسم للتوحيد في قصر الملك الجبار دليل قطعي على وجود "عامل غيبي روحي" خارق للمقاييس المادية، وهو ما عبر عنه القرآن بـ {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}؛ فالقلب الموصول بالله يمتلئ هيبة من الخالق فتصغر في عينه كل قوى الأرض وجيوشها.
الاستدلال بـ {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: برهان عقلي بديهي؛ فمن كان ربه هو صانع هذا الكون العظيم، فكيف ينحني لصنم مصنوع من حجر أو ملك ضعيف مصيره إلى التراب؟!
الاستعارة التمثيلية في {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}: شبه القلب المضطرب بالدابة النفور التي إذا شُدّ عليها الرباط الوثيق استقرت وسكنت؛ وهي من أروع الصور البيانية في التعبير عن السكينة والثبات الداخلي.
التعبير بـ {إِذْ قَامُوا}: لفظ القيام يدل على الجسارة، والنهوض التام، والعلانية، ونبذ التردد والخوف؛ فلم يقولوا ذلك همساً ولا خفية، بل قاموا معلنين راية الحق.
اختيار لفظ {شَطَطًا}: كلمة ذات رنين صوتي حاد ودلالة لغوية قاطعة في تصوير بشاعة البعد عن الحق والانحدار في مهاوي الافتراء.
الإشارة والتدبر: ما أحوج القلوب في زمن الفتن والشبهات والشهوات إلى هذا "الربط الإلهي"! فسل ربك دوماً أن يربط على قلبك ويثبته على دينه: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك".
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الجهر بكلمة التوحيد والصدع بالحق أمام أهل الباطل والطغيان بالحكمة واليقين والشجاعة، وبيان أن التوحيد هو الأصل الذي لا يقبل المساومة.
التوجيه التربوي: تدريب النفوس على الاستعلاء الإيماني ورفض التنازل عن الثوابت العقدية أمام الضغوط الاجتماعية والسياسية.
الأثر الوجداني: يشعر المؤمن بالعزة والشجاعة والاطمئنان حين يوقن أن رب السموات والأرض هو وليه وناصره، ويزول من قلبه كل خوف من المخلوقين.