روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص276) بإسناده عن مجاهد وقتادة في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: يقول تعالى ذكره بعد أن ذكر وعيد الظالمين وما أعد لهم في النار: إن الذين صدقوا بالله ورسوله وأفردوه بالعبادة، وقرنوا إيمانهم بالأعمال الصالحات من الفرائض والنوافل، {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}: إنا لا نحرمهم ثواب أعمالهم ولا نبخسهم شيئاً من أجورهم؛ بل نضاعف لهم الحسنات، ونجازي كل من أحسن عملاً وأخلصه لوجهنا بأعظم الجزاء وأوفاه.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص169): "لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما أعد لهم من النكال والسرادق المحيط وماء المهل، عطف بذكر السعداء وما أعد لهم من النعيم المقيم؛ جرياً على عادة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب؛ وقوله: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}: جملة معترضة أو خبر إن الأولى؛ دلت على كمال عدل الله وفضله وأنه لا يضيع مثقال ذرة من عمل صالح".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص408): "في الآية بشارة كبرى للمؤمنين؛ فبين أن كل عمل أُحسن فيه القصد والاتباع فهو محفوظ عند الله لا يضيع منه شيء؛ وخبر 'إن' الأولى محذوف دل عليه قوله: {أُولَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} في الآية التالية، أو خبرها جملة {إِنَّا لَا نُضِيعُ}، والرابط محذوف تقديره منهم".
وجاء في تفسير السعدي (ص474): "هذا وعد كريم من كريم جواد لا يخلف الميعاد؛ فمن جمع بين الإيمان بالقلب والعمل الصالح بالجوارح وأحسن عمله بإخلاصه لله ومتابعة رسوله، فلن يضيع الله سعيه، بل سيجد ثوابه مدخراً مضاعفاً في جنات عدن".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص408)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٤٠٨*جامع البيان* (ج15، ص276)جامع البيانالطبري١٥/٢٧٦*تفسير السعدي* (ص474)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٤*تفسيره* (ج5، ص169)مصدر غير محدد٥/١٦٩
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية التركيبية:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم إن.
{آمَنُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَعَمِلُوا}: الواو عاطفة، عملوا فعل وفاعل معطوف على آمنوا.
{الصَّالِحَاتِ}: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب ونا اسمها.
{لَا}: نافية لا عمل لها.
{نُضِيعُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره نحن، وجملة لا نضيع في محل رفع خبر إن الثانية.
{أَجْرَ}: مفعول به لنضيع منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف.
{مَنْ}: اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه.
{أَحْسَنَ}: فعل ماض مبني على الفتح والفاعل ضمير مستتر يعود على من.
{عَمَلًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة مفسر لجهة الإحسان، وجملة أحسن صلة الموصول لا محل لها؛ وجملة {إِنَّا لَا نُضِيعُ...} في محل رفع خبر إن الأولى (أو خبر إن الأولى هو قوله في الآية التالية: {أُولَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ}).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وبراعة التوازن القرآني:
المقابلة التامة مع مشهد النار في الآية السابقة: أسلوب قرآني مطرد في تثبيت الحقائق؛ فبعد أن أرجف القلوب بذكر سرادق النار وماء المهل الذي يشوي الوجوه، فتح أبواب الرجاء والسكينة بذكر أجر المؤمنين المحسنين؛ ليعيش المؤمن بين الخوف والرجاء.
التناغم المذهل مع مطلع السورة: في الآية (7) قال: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، وهنا في الآية (30) يعلن نتيجة هذا الامتحان: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}؛ فيلتحم أول السورة بوسطها في سبيكة بلاغية معجزة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قانون "العدالة الإلهية المطلقة وحفظ الجهود":
المحاكمة الفلسفية والعقلية:
في النظم الوضعية والمجتمعات البشرية يضيع الكثير من جهود المخلصين والمبدعين والمحسنين بسبب الجحود، أو المحاباة، أو العجز، أو الموت، أو الفساد الإداري والسياسي.
في ميزان الله المطلق، لا تضيع ذرة واحدة من إحسان: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}؛ وهذا يمنح الإنسان طمأنينة وجودية مطلقة بأن كل تعب، وكل صدقة خفية، وكل دمعة في جوف الليل، وكل صبر على أذى محفوظ عند الله وسيكافأ عليه بأعظم مما يتخيل؛ مما يحفز العزائم على الإحسان المستمر دون انتظار شكر من أحد.
وضع الظاهر موضع المضمر في {مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}: لم يقل: "إنا لا نضيع أجرهم"، بل قال: {أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}؛ للإشعار بعلة الأجر وسببه، وهو "إحسان العمل"، ولتعميم هذا الوعد الإلهي لكل محسن في أي زمان ومكان.
التأكيد بـ {إِنَّ} مرتين: لترسيخ هذا الوعد في النفوس وتبديد أي شك أو قلق قد يعتري العاملين في سبيل الله.
الإشارة والتدبر: أحسن عملك وتفانَ في إخلاصه ولا تبتئس إن لم يصفق لك الناس أو لم تنل مكافأة في الدنيا؛ فإن أجرك مدخر عند مليك مقتدر لا يضيع عنده عمل عامل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تبشير العاملين والمجاهدين في سبيل الله بعظيم الثواب وعصمة جهودهم من الضياع.
التوجيه التربوي: غرس ثقافة "الإحسان والإتقان"؛ فالمسلم مطالب بالإحسان في كل شيء: في صلاته، وبره، وتجارته، وصناعته، ودعوته؛ لأن الله كتب الإحسان على كل شيء.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن بالراحة واليقين والنشاط، منشرح الصدر، مقبلاً على الطاعة بحب وشوق وفرح بوعد الله الحق.