روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص206) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ}: أي ليس لهؤلاء القائلين باتخاذ الولد أي علم ولا حجة ولا برهان يصحح مقالتهم، {وَلَا لِآبَائِهِمْ}: ولا كان لأسلافهم وآبائهم الذين قلدوهم واتبعوا آثارهم أي علم بذلك، بل هو محض جهل وضلال، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}: عظمت مقالتهم هذه في القبح والشناعة والجرأة على الله، {إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}: ما يقولون في دعواهم هذه إلا كذباً صراحاً وزوراً محققاً وباطلاً خالصاً لا حقيقة له.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص139): "قوله: {مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ}: أي بهذا القول الذي افتروه واختلقوه، ليس لهم به علم ولا حجة، ولا لأسلافهم المتقدمين، بل قلدوا جهالاً مثلهم. {كَبُرَتْ كَلِمَةً}: منصوب على التمييز؛ أي عظمت مقالتهم وجسرت فرريتهم. وقيل فاعل كبرت؛ ولكن قراءة النصب أبلغ في التعجب والذم والتهويل. {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}: أي لا مستند لها إلا مجرد القول باللسان، وليس وراءها دليل ولا برهان، {إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}: حصر لقولهم في الكذب المحض".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص356): "في الآية إبطال للتقليد في العقائد؛ فبين أن الآباء لم يكونوا على بينة من أمرهم حتى يُتخذوا قدوة؛ بل الجهل قرين الأبناء والآباء في هذه المقالة الفاسدة. وقوله: {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} تشنيع لكون الكلمة هواءً مقذوفاً من الفم بلا تعقل ولا روية في القلب".
وجاء في تفسير السعدي (ص470): "القول بلا علم أعظم المحرمات، فكيف إذا كان القول كفراً وظلماً وافتراءً على الله؟! ولهذا استعظم الله هذه الكلمة وشهد عليهم بالكذب الصريح؛ لأن كل قول يخالف الحق المعلوم بالعقل والنقل فهو كذب باطل".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص356)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٥٦*جامع البيان* (ج15، ص206)جامع البيانالطبري١٥/٢٠٦*تفسير السعدي* (ص470)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٠*تفسيره* (ج5، ص139)مصدر غير محدد٥/١٣٩
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية الصرفية:
{مَّا}: نافية لا عمل لها.
{لَهُم}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{بِهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من علم.
{مِنْ عِلْمٍ}: من حرف جر زائد لإفادة استغراق النفي وتأكيده، وعلم مجرور لفظاً مرفوع محلاً على أنه مبتدأ مؤخر.
{وَلَا لِآبَائِهِمْ}: الواو عاطفة، ولا لتأكيد النفي، ولآبائهم جار ومجرور معطوف على {لَهُم}، والهاء مضاف إليه.
{كَبُرَتْ}: فعل ماض لإنشاء الذم متضمن معنى التعجب، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على المقالة، يفسره التمييز بعدها.
{كَلِمَةً}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة مفسر للفاعل المستتر في كبرت (وهي قراءة الجمهور، وقرأ بعض السلف بالرفع فاعلاً).
{تَخْرُجُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل مستتر تقديره هي، والجملة في محل نصب نعت لـ {كَلِمَةً}.
{إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}: إن نافية، ويقولون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وإلا أداة حصر واستثناء مفرغ، وكذباً مفعول به أو مفعول مطلق منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية واتساقها البلاغي:
نسف أصل الباطل من جذوره: بعد أن أنذرهم في الآية السابقة، بين هنا العلة الكبرى لضلالهم وهي "فقدان العلم والبرهان"، مما يكشف عوار عقيدتهم أمام العقول الواعية.
إسقاط حجة التقليد الموروث: كان المشركون يلوذون دوماً بحجة تقليد الآباء: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ}؛ فجاءت الآية لتسقط هذا الملاذ وتسوي بين التابع والمتبوع في الجهل التام: {مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ}.
التدرج من نفي الدليل إلى تهويل الجرم بـ {كَبُرَتْ كَلِمَةً}، ثم حسم الحكم الإلهي القطعي بـ {إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة المعرفية والعقلية لمسألة "التقليد في أصول الإيمان":
التحليل المنطقي والمعرفي:
العلم هو مطابقة الإدراك الجازم للواقع عن دليل وبرهان؛ فإذا انتفى الدليل انتفى العلم وصار القول جهلاً ورجماً بالغيب.
توارث الجهل عبر الأجيال والقرون لا يجعله علماً، وتكرار الكذبة ملايين المرات لا يحولها إلى حقيقة؛ فالمعول عليه في قضايا الاعتقاد هو البرهان العقلي والنقلي الصادق، وليس الكثرة ولا قدم الموروث.
الكلمة التي لا تستند إلى عقل ولا نقل هي مجرد حركة صوتية تخرج من الأفواه وتتلاشى في الهواء، ولكنها عند الله عظيمة الإثم والشناعة؛ لأنها اعتداء على قداسة الخالق سبحانه.
استغراق النفي بـ {مِنْ عِلْمٍ}: دخول (مِن) الزائدة على النكرة في سياق النفي ينص على نفي أدنى ذرة أو شبهة علم لديهم، فهم في جهل مطبق.
أسلوب التعجب والذم في {كَبُرَتْ كَلِمَةً}: جاء بصيغة تشعر بهول الفاجعة؛ فكلمة واحدة تقال باللسان قد تبلغ الغاية في القبح والهلاك.
التصوير البصري والحركي في {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}: تجسيد بليغ للفظ وهو يقذف من الفم قذفاً دون مرور على ميزان العقل أو تمحيص الفؤاد؛ فهي كلمات تتدحرج على الألسنة بغير تفكير.
الإشارة والتدبر: ما أخطر اللسان حين ينفلت من رقابة الإيمان والعقل! كم من كلمات تخرج من الأفواه اليوم تستهزئ بالدين أو تطعن في الذات الإلهية أو تنشر الفاحشة وهي عند الله عظيمة: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: مطالبة أهل الباطل والمشككين بالبرهان والدليل: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}؛ فإن عجزهم عن إقامة الدليل كفيل بهدم باطلهم وفضحه أمام الناس.
التوجيه التربوي: تربية العقول على الاستقلال المعرفي والتحري النقدي، ونبذ التقليد الأعمى للعادات والتقاليد والأفكار المستوردة التي لا سند لها من الشرع والعقل.
الأثر الوجداني: يرتجف قلب المؤمن خشية وتوقيراً لجلال ربه، ويحفظ لسانه من الخوض فيما لا يعلم، معتصماً بصدق التوحيد ونقاء اليقين.