رد علم الغيب المطلق إلى الله وتفرده التام بالحكم والتدبير:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص265) بإسناده عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا}: يقول تعالى لنبيه: إذا جادلك أهل الكتاب والمشركون في مدة لبثهم، فقل لهم: الله أعلم بما لبثوا منكم ومن كل خلقه؛ لأنه هو الذي أماتهم وأحياهم وأحصى آجالهم، {لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: له علم ما غاب وخفي في السماوات والأرض لا يعزب عنه مثقال ذرة، {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ}: صيغة تعجب يراد بها الدلالة على كمال بصره وسمعه وإحاطته؛ أي ما أبصره بكل موجود وما أسمعه لكل صوت وخفي، {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ}: ليس لأهل السماوات والأرض من دون الله من ناصر ولا معين ولا متولٍ لأمورهم سواه، {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}: لا شريك له في خلقه وأمره وقضائه وتشريعه وقدره؛ بل هو المنفرد بالحكم وحده.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص164): "قوله تعالى: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ}: أي إنه لبصير بهم سميع لهم؛ لا يغيب عن سمعه وبصره شيء في خلقه، فكيف يخفى عليه أمر الفتية ومدة رقودهم؟! وقوله: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}: قرأ الجمهور برفع الكاف على النفي؛ أي: ليس له شريك في ملكه ولا في تدبيره وقضائه وحكمه الشرعي والكوني. وقرأ ابن عامر والحسن بالتاء مع جزم الكاف على النهي: {وَلَا تُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}؛ أي لا تشرك يا محمد ويا أيها المكلف مع الله أحداً في حكمه وتشريعه وتدبيره".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص399): "صيغة {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} لفظها لفظ الأمر ومعناها التعجب لفرط إدراكه سبحانه؛ كقولهم: أحسن بزيد! والغرض تقرير كمال سمعه وبصره في نفوس السامعين. وقوله في الحكم دليل قاطع على أن التشريع حق خالص لله وحده، فمن حكم بغير ما أنزل الله أو نازع الله في سلطانه وتشريعه فقد أشرك".
وجاء في تفسير السعدي (ص473): "احتوت الآية على أصول التوحيد العظام: توحيد العلم والإحاطة بالغيب، وتوحيد الأسماء والصفات بالسمع والبصر المطلق، وتوحيد الربوبية بنفي الولي والناصر، وتوحيد الألوهية والحكم والتشريع بنفي الشريك".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص399)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٩٩*جامع البيان* (ج15، ص265)جامع البيانالطبري١٥/٢٦٥*تفسير السعدي* (ص473)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٣*تفسيره* (ج5، ص164)مصدر غير محدد٥/١٦٤
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية التركيبية:
{قُلِ}: فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَعْلَمُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة الاسمية مقول القول في محل نصب.
{بِمَا}: جار ومجرور متعلق بأعلم، وما موصول أو مصدرية.
{لَبِثُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{غَيْبُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: السماوات مضاف إليه مجرور، والأرض معطوف عليه.
{أَبْصِرْ بِهِ}: فعل ماض جاء على صورة الأمر لإنشاء التعجب مبني على الفتح المقدر منع من ظهوره سكون البناء العارض، والباء حرف جر زائد لإفادة توكيد التعليق، والهاء ضمير متصل مجرور لفظاً مرفوع محلاً فاعل أبصر.
{وَأَسْمِعْ}: الواو عاطفة، أسمع فعل ماض جاء على صورة الأمر معطوف على أبصر، والفاعل محذوف لدلالة المذكور عليه (أي وأسمع به).
{مَا}: نافية لا عمل لها.
{لَهُم}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{مِّن دُونِهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ولي، والهاء مضاف إليه.
{مِن وَلِيٍّ}: من حرف جر زائد لتأكيد استغراق النفي، وولي مجرور لفظاً مرفوع محلاً مبتدأ مؤخر.
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا نافية (أو ناهية جازمة على قراءة ابن عامر).
{يُشْرِكُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة والفاعل ضمير مستتر يعود على الله (وعلى قراءة ابن عامر: ولا تُشْرِكْ مجزوم بالسكون والفاعل مستتر تقديره أنت).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
خاتمة قصة أصحاب الكهف برد الأمر كله للرب العظيم:
الاتساق العقائدي الخاتم: بعد أن سرد أدق تفاصيل القصة ولبثهم ونومهم وبعثهم وتنازع الناس فيهم، أغلق المشهد بتقرير الأصل الكلي الأعظم: أن الله وحده هو علام الغيوب، ومحيط بالأكوان، والمتفرد بالحكم والولاية.
الانتقال من الحديث عن قصة تاريخية خاصة إلى تقرير قواعد التوحيد الكلية التي تعصم الأمة من فتن الدنيا وتؤسس لمنهاج الحكم والتشريع واليقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير توحيد "الحكم والتشريع" ودحض دعاوى الشركاء:
المحاكمة الأصولية والكلامية الصارمة:
قوله تعالى: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} نص قرآني قاطع في أن الحاكمية والتشريع وسلطان الأمر والنهي والتحليل والتحريم هو حق خالص للخالق سبحانه: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}.
الحكم نوعان متلازمان:
حكم كوني قدري: لا يخرج عنه كائن في الوجود، ولا ينازعه فيه أحد في تدبير الكون وحركة الأفلاك والموت والحياة.
حكم ديني شرعي: وهو ما أنزله الله في كتبه وأمر به رسله من الحدود والفرائض والشرائع؛ فمن زعم أن لأحد من البشر حق التحليل والتحريم مستقلاً عن شرع الله فقد جعله شريكاً لله في حكمه.
قراءة ابن عامر {وَلَا تُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} بالنهي تؤكد تكليف العباد بعدم الانقياد لأي حكم يخالف شرع الله، وصيانة العقيدة من التحاكم إلى الطواغيت.
صيغة التعجب الإنشائية في {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ}: لنقل السامع إلى أقصى درجات الانبهار والتعظيم لسمع الله وبصره المحيطين بكل دبيب وهمس وخفاء في أرجاء الوجود.
استغراق النفي بـ {مِن وَلِيٍّ} والتنكير في {أَحَدًا}: لقطع كل طمع وكل وهم في وجود شريك أو ناصر أو معين مع الله تعالى.
الإشارة والتدبر: إذا كان الله يسمعك ويبصرك في خلواتك وكهوفك، ولا شريك له في تدبير أمرك، فلماذا تلتفت إلى الخلق؟ فوض أمرك إلى من له غيب السماوات والأرض، واستغنِ بحكمه عن أهواء البشر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترسيخ حاكمية الشريعة واليقين بتمامها وعدالتها، والتحذير من القوانين الوضعية المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله.
التوجيه التربوي: مراقبة الله في السر والعلن؛ فالمؤمن الذي يستحضر {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} يستحي أن يراه ربه حيث نهاه أو يفقده حيث أمره.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن بالسكينة والأمان والعزة؛ متوكلاً على الولي الحق الذي يدبر الملك كله بعدل وحكمة ورحمة.