بيان حكمة الابتلاء بزينة الأرض وحقيقة العمل الأحسن:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص210) بإسناده عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا}: يقول تعالى: إنا جعلنا كل ما على وجه الأرض من نبات وشجر وأنهار وبحار ومعادن وقصور وأموال ودواب بهجة وزينة للأرض وساكنيها، {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}: لنختبر بني آدم ونمتحنهم، فنعلم من يطيعنا فيها ممن يعصينا، ومن يزهد فيها ممن يركن إليها.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص141): "يخبر تعالى أنه جعل الدنيا داراً فانية مزينة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار اختبار لا دار استقرار؛ كما قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، وقال قتادة عن أبي العالية في قوله: {أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}: أي أورع عن محارم الله وأخلص في طاعته. وروي عن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال في تفسيرها: 'أخلصه وأصوبه؛ قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة'".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص358): "في الآية تنبيه على التحذير من الاغترار بزخرف الدنيا، وبيان أن كل ما فيها ممتحن به العباد؛ فمن شكر النعمة واستعملها في طاعة المنعم كان من الفائزين، ومن بطر واشتغل بالزينة عن المقصود كان من الخاسرين".
وأشار الشيخ السعدي في تيسير الكريم الرحمن (ص470): "أخبر تعالى أنه جعل ما على الأرض من مآكل لذيذة ومشارب ومساكن طيبة وزخارف باهرة ابتلاء واختباراً للعباد؛ ليعلم من يقدم رضوان ربه على شهواته العاجلة، ولم يقل: 'أكثر عملاً'؛ لأن المعتبر عند الله هو إحسان العمل بصفاء الإخلاص وكمال الاتباع، لا مجرد الكثرة الظاهرة".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص358)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٥٨*تيسير الكريم الرحمن* (ص470)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٠*جامع البيان* (ج15، ص210)جامع البيانالطبري١٥/٢١٠*تفسيره* (ج5، ص141)مصدر غير محدد٥/١٤١
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية التركيبية:
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، ونا ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها.
{جَعَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول لجعلنا.
{عَلَى الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول لا محل لها.
{زِينَةً}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة، والزينة هي كل ما يتحسن به الشيء ويتجمل.
{لَّهَا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لزينة أو بزينة؛ والضمير يعود على الأرض.
{لِنَبْلُوَهُمْ}: اللام لام التعليل، ونبلوهم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بجعلنا.
{أَيُّهُمْ}: أي اسم استفهام مبتدأ مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه، علق به فعل البلوى عن العمل في اللفظ.
{أَحْسَنُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو اسم تفضيل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في النسق المعماري للسورة:
كشف العلة الكونية لإعراض المشركين وتسلية النبي: بعد أن نهاه في الآية السابقة عن إهلاك نفسه أسفاً على كفرهم، بيّن له هنا طبيعة هذه الدار وأنها دار فتنة وزينة جاذبة تستدرج القلوب الغافلة، وأن كفر الكافرين ليس ناتجاً عن نقص في الحجة، بل عن استغراقهم في زينة الأرض وشهواتها العاجلة.
التمهيد لمحاور سورة الكهف وقصصها: هذه الآية هي القاعدة الفلسفية الكبرى التي تدور عليها قصص السورة؛ فقصة أصحاب الكهف فتنة في الدين تركوا فيها زينة قصورهم فراراً بالتوحيد، وقصة صاحب الجنتين فتنة في زينة المال والبساتين، وقصة موسى والخضر فتنة في التطلع المعرفي، وقصة ذي القرنين فتنة في الملك والسلطان؛ فالآية تضع الإطار العام لجميع فتن الحياة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك فلسفة "الكيف في مقابل الكم" في العمل الصالح:
السؤال العقلي: لماذا قال القرآن {أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} ولم يقل: "أكثر عملاً"؟
المحاكمة العقلية والتربوية:
القيمة الحقيقية للأفعال لا تقاس بمظاهرها العددية ولا بأحجامها المادية المجردة، بل بالباعث القلبي الدافع إليها ومدى مطابقتها لميزان الحق والعدل.
قد يعمل الإنسان أعمالاً ضخمة ذات بريق هائل لكنها قائمة على الرياء أو الكبر أو الظلم، فتكون وبالاً عليه كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف؛ بينما عمل يسير خالص صواب ينقذ صاحبه ويرفعه أعلى الدرجات.
حسن العمل يتضمن ثلاثة أركان عقلية وشرعية: صدق النية في التوجه، وصحة الطريقة في التنفيذ وفق السنة، والنفع المتعدي المؤثر في إصلاح الوجود البشري.
التعبير بـ {زِينَةً لَّهَا}: قيد بديع يفيد أن هذه النعم هي زينة لظاهر الأرض ومظهرها الفاني وليست كمالاً ذاتياً للإنسان؛ فالعاقل لا يعلق شرفه بما هو زينة لغيره، بل بزينة التقوى والإيمان: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ}.
صيغة التفضيل في {أَحْسَنُ}: لإلهاب همم السالكين والمؤمنين للتنافس في درجات الإحسان والإتقان، والتجاوز من رتبة "الحسن" إلى رتبة "الأحسن".
الإشارة والتدبر: انظر إلى الدنيا بنور البصيرة لا بزخرف البصر؛ فإنما نصبت هذه المشاهد الفاتنة لتختبر قلبك: هل يتعلق بالخالق المنعم أم يسقط في عبادة المتاع والزينة؟
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: مخاطبة الناس بلغة تكشف حقيقة الدنيا وتضع الأمور في نصابها الصحيح؛ لئلا يغتر أهل الثراء بأموالهم، ولا ييأس أهل الفقر من فضل الله.
التوجيه التربوي: تربية النفس على مبدأ "تجويد العمل وإتقانه وإخلاصه" والحرص على الكيفية والاتباع، لا الاستكثار من الشكليات والمظاهر الفارغة.
الأثر الوجداني: يتحرر قلب المؤمن من عبودية المادة والأشياء، ويستشعر أن كل نعمة في يده هي أمانة وابتلاء وميدان للمسابقة إلى مرضاة الله.