بيان إلقاء النوم المديد على أصحاب الكهف وحجب أسماعهم:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص220) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ}: أنمناهم نوماً ثقيلاً لا تنفذ إليه الأصوات، فضرب الله على أسماعهم حجاباً يمنعهم من استماع الكلام وحركة الدنيا، {سِنِينَ عَدَدًا}: سنين كثيرة معدودة محصاة معلومة عند الله عز وجل.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص146): "قوله: {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ}: أي ألقينا عليهم النوم حين دخلوا الكهف، فناموا سنين كثيرة، وخص الآذان لأنها آلة السمع، والسمع هو الحاسة التي يستيقظ بها النائم؛ فإذا تعطلت استغرق الإنسان في نومه ولم ينتبه لحركة ولا ضجيج. وقوله: {سِنِينَ عَدَدًا}: أي معدودة كثيرة، فكانت تلك النومة حفظاً لأرواحهم وأجسادهم من بطش المشركين، وتثبيتاً لمعجزة البعث".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص366): "هذا من فصيح كلام العرب وبديع كناياتهم؛ يقال: ضرب الحاكم على يد فلان إذا منعه من التصرف، وضرب الله على سمعه إذا منعه من الإدراك؛ والمعنى: حجبنا حواسهم عن الأصوات حجاباً مانعاً فناموا زمناً طويلاً. وسنين عدداً: أي تعد عداً لكثرتها، كقولك: مال عدد، أي كثير معدود".
وجاء في تفسير السعدي (ص471): "استجاب الله دعاءهم، فحماهم بطريقة خارقة لم تخطر لهم على بال؛ فأنزل عليهم نوماً عميقاً هادئاً حفظ به أرواحهم وأبدانهم من التغير والهلاك سنين كثيرة، وسد عنهم منافذ الإزعاج بالضرب على آذانهم".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص366)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٦٦*جامع البيان* (ج15، ص220)جامع البيانالطبري١٥/٢٢٠*تفسير السعدي* (ص471)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧١*تفسيره* (ج5، ص146)مصدر غير محدد٥/١٤٦
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية الدلالية:
{فَضَرَبْنَا}: الفاء عاطفة سببية، وضربنا فعل ماض مبني على السكون ونا ضمير متصل فاعل. والضرب هنا متضمن معنى الإلقاء والإلزام أو وضع الحجاب المانع.
{فِي الْكَهْفِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير في آذانهم أو متعلق بضربنا.
{سِنِينَ}: ظرف زمان منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم متعلق بضربنا (أو مفعول به على تضمين الفعل معنى أمضينا).
{عَدَدًا}: نعت لـ {سِنِينَ} منصوب بالفتحة الظاهرة (أو مصدر في موضع الحال أي معدودة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره تعد عداً).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية واتساقها مع ما قبلها:
سرعة الاستجابة الإلهية بالفاء التعقيبية: ما إن فرغ الفتية من دعائهم الخاشع {وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} حتى جاءت الإجابة الإلهية الفورية الحاسمة بالفاء: {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ}؛ لإفادة سرعة الغوث الإلهي وتنزله بمجرد صدق الالتجاء.
حكمة النوم كدرع أمني وحفظي: كان الفتية خائفين يترقبون مطاردة أعوان الملك الجبار، فلو بقوا مستيقظين لماتوا رعباً أو لخرجوا بحثاً عن طعام فوقعوا في الأسر؛ فألقى الله عليهم النوم العميق ليتحقق لهم: زوال الخوف النفسي، وانعدام الحركة التي تدل الأعداء عليهم، وبقاء أجسادهم حية ومحفوظة بمشيئة الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز الطبي والعصبي في تخصيص "الأذن والسمع" في الآية:
المحاكمة العلمية والعقلية:
في علم وظائف الأعضاء المعاصر: الأذن هي الحاسة الوحيدة التي تظل تعمل ولا تنام؛ فالعين تغلق بأجفانها، بينما الأذن ليس لها غطاء يمنع الموجات الصوتية، والمخ يظل يتلقى إشارات السمع أثناء النوم، وتلك هي الآلية الفطرية التي تجعل الإنسان يستيقظ عند سماع الأصوات المرتفعة كإنذار للخطر.
تخصيص القرآن الكريم لضرب الحجاب على "الآذان" دون سائر الحواس يدل على دقة علمية خارقة؛ فالسبيل البيولوجي الوحيد لإبقاء كائن حي نائماً لقرون مديدة دون أن ينزعج أو يستيقظ بأصوات الرياح أو الرعود أو حركة الدواب هو تعطيل التوصيل العصبي السمعي في الأذن؛ وهو ما عبر عنه القرآن بإعجاز موجز: {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ}.
الكناية الرفيعة البديعة: كنّى بالضرب على الآذان عن النوم المستغرق الثقيل المحروس بالحفظ، وهي من أعلى درجات الفصاحة العربية التي تستعمل لازم الشيء للدلالة على ملزومه.
التنكير في {عَدَدًا}: لإفادة التعظيم والتهويل والتكثير؛ أي سنين كثيرة طويلة يتعب الحساب في عدها.
الإشارة والتدبر: كم من أزمة أو خوف يحيط بك ولا ترى له مخرجاً، فيتدخل لطف الله بوسيلة لم تخطر لك على بال! الفتية سألوا الرشد والرحمة فكان ردهم نوماً وسكينة؛ فثق بتدبير ربك حين يعجز تدبيرك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترسيخ اليقين بطلاقة القدرة الإلهية، وأن الله ناصر أولياءه ومدافع عنهم بألطف الطرق وأعجب الوسائل.
التوجيه التربوي: شكر نعمة النوم والسكينة؛ فالنوم آية من آيات الله الكبرى ومصدر لتجدد الطاقة وراحة الأرواح والأبدان.
الأثر الوجداني: يغمر القلب شعور عميق بالأمن والسلام في كنف الله؛ فإذا تولاك الله حفظك وأنت نائم لا تملك لنفسك ضراً ولا نفعاً، وصرف عنك كيد الأعداء ومكرهم.