يقظة الفتية وعودتهم إلى الإحساس البشري والتحري في الطعام الحلال:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص242) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ}: يقول تعالى: وكما ضربنا على آذانهم وحفظناهم تلك السنين الطويلة على حالهم وهيئتهم، كذلك أيقظناهم سالمين لم تتغير أبدانهم ولا ثيابهم، {لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ}: ليسأل بعضهم بعضاً عن مدة رقودهم فتقوم عليهم وعلى الناس الحجة الباهرة، {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ}: كم مَكَثْتم نياماً في هذا الكهف؟ {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}: وذلك أنهم دخلوا الكهف ضحوة واستيقظوا في آخر النهار قبل غروب الشمس، فظنوا أنهم ناموا نهاراً واحداً أو جزءاً منه، فلما نظروا إلى الشمس وإلى آثار النوم قالوا مفوضين العلم لله: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص154): "ثم التفتوا إلى حاجتهم من القوت لما أحسوا بالجوع بعد طول الرقود، فقالوا: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ}: والورق هي الفضة المضروبة دراهم؛ وكانت معهم نفقة حملوها معهم من ديارهم، {فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا}: قال ابن عباس وعكرمة: أي أطيبه وأحله وأطهره ذبيحة؛ لأن قومهم كانوا يذبحون للأصنام ويأكلون الميتة والخنزير، فتحروا الطعام الحلال الطيب. {فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ}: أي وليستعمل غاية الرفق والحذر والتستر في دخوله وخروجه، {وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا}: أي لا يدلن أحداً على مكانكم في الكهف".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص380): "قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر {بِوَرْقِكُمْ} بسكون الراء؛ وقرأ الباقون {بِوَرِقِكُمْ} بكسرها، وهما لغتان مشهورتان في دراهم الفضة. والورع في الطعام ظاهر جلي في قوله {أَزْكَىٰ طَعَامًا}؛ فالمؤمن لا يأكل إلا طيباً حتى في حال الاضطرار والجوع. وكلمة {وَلْيَتَلَطَّفْ} هي منصف القرآن ووسطه عند جماهير علماء الرسم والعدد".
وجاء في تفسير السعدي (ص472): "استيقظوا ولم يشعروا بطول المدة بل ظنوها يوماً أو بعض يوم؛ وهذا من تمام اللطف بهم لئلا يفزعوا، ثم اشتغلوا بالحاجة الضرورية فأرسلوا أحدهم بالدراهم، وأمروه باختيار الحلال الطيب والحيطة التامة والتلطف؛ وهذا أصل في وجوب التستر والأخذ بأسباب السلامة في مواجهة الأعداء".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص380)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٨٠*جامع البيان* (ج15، ص242)جامع البيانالطبري١٥/٢٤٢*تفسير السعدي* (ص472)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٢*تفسيره* (ج5، ص154)مصدر غير محدد٥/١٥٤
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والمعجم:
{وَكَذَٰلِكَ}: الواو استئنافية أو عاطفة، والكاف حرف تشبيه وجر، وذا اسم إشارة في محل جر متعلق بمحذوف مفعول مطلق عامله بعثناهم؛ أي: بعثاً كائناً كبعثنا العجيب وتدبيرنا الباهر.
{بَعَثْنَاهُمْ}: فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل والهاء مفعول به والميم للجمع.
{لِيَتَسَاءَلُوا}: اللام لام التعليل، ويتساءلوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل بحذف النون والواو فاعل.
{بَيْنَهُمْ}: ظرف مكان متعلق بيتساءلوا.
{قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ}: قال فعل ماض، وقائل فاعل، ومنهم جار ومجرور نعت لقائل.
{كَمْ}: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب ظرف زمان متعلق بلبثتم.
{لَبِثْتُمْ}: فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل والميم للجمع، وجملة كم لبثتم مقول القول في محل نصب.
{قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا}: قالوا فعل وفاعل، ولبثنا فعل وفاعل، ويوماً ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بلبثنا.
{أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}: أو حرف عطف للشك، وبعض معطوف على يوماً منصوب، ويوم مضاف إليه.
{طَعَامًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة، والجملة في محل نصب مفعول به لينظر المعلق.
{فَلْيَأْتِكُم}: الفاء عاطفة، واللام لام الأمر، ويأتكم فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة والكاف مفعول به والميم للجمع والفاعل مستتر.
{بِرِزْقٍ مِّنْهُ}: متعلق بيأتكم، ومنه نعت لرزق.
{وَلْيَتَلَطَّفْ}: الواو عاطفة، اللام للأمر، يتلطف مضارع مجزوم بالسكون والفاعل مستتر، والتلطف هو استعمال غاية الرفق والحيطة والتستر في القول والعمل.
{وَلَا يُشْعِرَنَّ}: الواو عاطفة، لا ناهية جازمة، يشعرن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم بلا الناهية، والفاعل مستتر.
{بِكُمْ}: متعلق بيشعرن.
{أَحَدًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البناء النفسي والحركي للقصة:
تصوير التدرج الفطري لعودة الحياة: بعد مئات السنين من النوم، استيقظ الفتية دون أن يدركوا فارق الزمن الطويل، وتدرج حوارهم من التساؤل المدهوش {كَمْ لَبِثْتُمْ} إلى حسم الموقف بتفويض علم الزمن إلى الله {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}، ثم الانتقال الفوري للواقع العملي وقضاء الحاجة الحيوية (الطعام).
التوازن النظمي بين طلب الغذاء والأمن: اشترطوا في مهمة الشراء ثلاثة شروط أساسية:
أن يكون الطعام أزكى وأحل طعام {أَزْكَىٰ طَعَامًا}.
أن يتحلى المبعوث بأقصى درجات الحيطة والرفق {وَلْيَتَلَطَّفْ}.
الكتمان التام وعدم إفشاء السر {وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
فقه "التحري في المطعم الحلال" عند الأزمات الشديدة:
المحاكمة الفقهية والأخلاقية:
القاعدة العامة عند عموم الناس أن الجوع الشديد والخوف يسقطان التدقيق في تفاصيل الأطعمة، ويسوغان أكل ما تيسر؛ ولكن الفتية ضربوا أروع الأمثلة في "الورع الإيماني العالي".
علة طلبهم {أَزْكَىٰ طَعَامًا}: مجتمعهم كان وثنياً يذبح للأصنام ولا يذكر اسم الله وربما أكل الخبائث؛ فتحرجت نفوسهم الزكية من أن يدخل أجوافهم طعام نجس أو ذبيحة شرك؛ فدل على أن طهارة اللقمة وحلها أصل أصيل في سلوك المؤمن لا يسقطه إلا الضرورة القصوى التي تخشى معها الهلكة.
الإعجاز في توسط {وَلْيَتَلَطَّفْ} في كتاب الله: وقوع هذه الكلمة في قلب القرآن الكريم وحشاياه إشارة لطيفة إلى أن "اللطف" هو روح الشريعة وجوهر المعاملات الإنسانية والإصلاحية والدعوية.
التأكيد بنون التوكيد الثقيلة في {وَلَا يُشْعِرَنَّ}: بعد النهي لبيان شدة الخطورة وحتمية الحذر الشديد من أي هفوة تكشف أمرهم.
الإشارة والتدبر: كم من أمور ومحن يمر بها العبد ويحسب مداها قصيراً وهي تمتد سنوات لحكمة يعلمها الله! فإذا فرج الله كربك لم تجد في قلبك إلا التسليم التام: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الجمع بين التوكل على الله والأخذ الصارم بأسباب الحيطة والحذر والسرية في مواجهة بطش المتربصين.