روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص248) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن إسحاق: أن مبعوث الفتية لما دخل المدينة ورأى معالمها قد تبدلت وأظهر دراهمه الفضية العتيقة ليشتري الطعام، استنكر البائع والناس نقوده التي عليها نقش الملك الظالم دقيانوس الذي هلك منذ مئات السنين، فظنوا أنه وجد كنزاً قديماً، فرفعوا أمره إلى ملك المدينة وكان ملكاً صالحاً مؤمناً بالبعث، وكانت المدينة في ذلك الزمان تموج في خلاف وجدال عاصف بين أهلها؛ فطائفة تؤمن ببعث الأرواح والأجساد معاً، وطائفة تشكك وتزعم أن البعث للأرواح فقط دون الأجساد التي بليت وصارت تراباً؛ فجاء هذا الحادث الإعجازي برهاناً حسياً قاطعاً على طلاقة قدرة الله في حفظ أجساد الفتية حية وبعثهم بعد ثلاثمائة عام ويزيد؛ ليعلم الناس جميعاً أن وعد الله بالبعث حق وأن الساعة لا ريب فيها.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص156): "قوله: {وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ}: أي أطلعنا الناس عليهم، يقال: عثر على الشيء إذا اطلع عليه بعد خفاء؛ {لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا}: أي ليعلم المشككون في البعث عياناً أن الله قادر على إعادة الأبدان كما حفظ أبدان هؤلاء نياماً كالموتى ثم أيقظهم. فلما وصل الناس إلى الكهف ورأوا الفتية وسلموا عليهم وتحدثوا معهم، قبض الله أرواحهم ليكونوا آية للناس؛ فاختلف الناس فيما يفعلون بهم: {فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا}: أي سدوا عليهم باب الكهف ودعوهم وشأنهم، {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا}: وهم أهل السلطة والغلبة قالوا نبني مسجداً نصلي فيه تخليداً لذكراهم واستشفاعاً بهم على عادتهم".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص385): "أعثرت فلاناً على كذا: إذا أطلعته عليه؛ و{إِذْ يَتَنَازَعُونَ}: أي في شأن القيامة والبعث. وأما قولهم {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا}، فهو حكاية عما وقع من أهل الغلبة والسلطان في ذلك الزمان، ولا يدل على جواز اتخاذ المساجد على القبور في شريعتنا؛ لأن نبينا صلى الله عليه وسلم حسم ذلك بالنهي القاطع واللعن الصريح في أحاديث متواترة كقوله: 'لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد'".
وجاء في تفسير السعدي (ص473): "كان إظهار أمرهم في هذا التوقيت بالذات لحكمة إلهية عليا؛ وهي حسْم النزاع في أمر البعث؛ فإن رؤية بشر ناموا مئات السنين ثم قاموا أحياء بأجسادهم وثيابهم أقوى برهان على أن الله يبعث من في القبور".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص385)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٨٥*جامع البيان* (ج15، ص248)جامع البيانالطبري١٥/٢٤٨*تفسير السعدي* (ص473)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٣*تفسيره* (ج5، ص156)مصدر غير محدد٥/١٥٦
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والمعجم:
{وَكَذَٰلِكَ}: الواو عاطفة، والكاف حرف تشبيه وجر، وذا اسم إشارة مبني في محل جر متعلق بمحذوف مفعول مطلق لأعثرنا.
{أَعْثَرْنَا}: فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل. وعَثَرَ على الشيء: سقط عليه واطلع عليه بلا طلب ولا موعد مسبق، وأعثر غيره: أطلعه وأوقفه عليه.
{وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا}: الواو عاطفة، أن واسمها، وجملة لا ريب فيها في محل رفع خبر أن، والمصدر المؤول معطوف على ما قبله.
{إِذْ}: ظرف زمان لما مضى متعلق بمحذوف تقديره (اذكر إذ) أو متعلق بأعثرنا.
{يَتَنَازَعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{بَيْنَهُمْ}: ظرف مكان متعلق بيتنازعون.
{أَمْرَهُمْ}: مفعول به ليتنازعون والهاء مضاف إليه؛ والأمر هنا أمر البعث والقيامة أو أمر الفتية.
{فَقَالُوا}: الفاء عاطفة تفيد التفريع والتعقيب، وقالوا فعل وفاعل.
{ابْنُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{عَلَيْهِم}: جار ومجرور متعلق بابنوا.
{بُنْيَانًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ}: مبتدأ وخبر وجار ومجرور متعلق بالخبر؛ والجملة الاسمية اعتراضية لا محل لها.
{قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ}: قال فعل ماض، والذين فاعل، وجملة غلبوا على أمرهم صلة الموصول.
{لَنَتَّخِذَنَّ}: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، ونتخذن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره نحن.
{عَلَيْهِم}: متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لنتخذن.
{مَسْجِدًا}: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وبيان حكمة التوقيت في المشيئة الإلهية:
كشف الستار عن الحكمة الكبرى لقصة الكهف: لم تكن إنامة الفتية ثلاثمائة سنة مجرد معجزة خاصة بهم، بل كانت "وديعة إلهية تاريخية" أخرجها الله في اللحظة الزمنية الحرجة التي اشتد فيها النزاع العقائدي والشكوك حول القيامة والبعث؛ لتكون برهاناً عيانياً حياً لا يقبل الإنكار.
تصوير اختلاف الناس وتنازعهم بعد المعجزة: عكست الآية طبيعة المجتمعات البشرية في الانقسام حتى بعد رؤية الآيات الباهرة؛ ففريق اقترح البناء البسيط وإرجاع العلم لله {ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ}، وفريق استغل الحدث لمآرب نفوذية وسلطوية ببناء المسجد والتعظيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة "جواز بناء المساجد على القبور" المستندة إلى الآية:
تعلق بعض أهل البدع والقبوريين بقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا} لتبرير بناء المساجد والقباب على قبور الصالحين.
المحاكمة الأصولية والفقهية الصارمة عند أئمة السنة والتحقيق:
حكاية الواقع لا تقتضي الإقرار والتشريع: القرآن الكريم يحكي ما قاله أهل الغلبة والشوكة والملك في ذلك الزمان؛ والتعبير بـ {غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ} يشعر بأنهم أصحاب نفوذ وسلطان دنيوي يفرضون آراءهم بالغلبة والقهر لا بالبصيرة الشرعية.
قاعدة: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخه شرعنا:
لو فرضنا جدلاً أن اتخاذ المساجد على قبور الصالحين كان جائزاً في شريعتهم؛ فإن الشريعة الإسلامية الخاتمة جاءت بنصوص صريحة متواترة تحرم ذلك أشد التحريم وتلعن فاعله.
روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ - أَوِ العَبْدُ الصَّالِحُ - بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ».
وروى مسلم في صحيحه (رقم 532)مصدر غير محددحديث رقم ٥٣٢ عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».
فالنهي الصريح المتأخر في شريعتنا ناسخ وقاطع لكل ما يخالفه، ولا يجوز معارضة النصوص النبوية الصريحة بحكاية تاريخية عن أمم سابقة.
التعبير بـ {أَعْثَرْنَا}: دقة لغوية بديعة تدل على أن الاطلاع على سرهم لم يكن نتيجة بحث منظم وتخطيط بشري، بل كان عثرة مفاجئة قدرها الله ولطف بها؛ ليعلم الناس أن القدر الإلهي هو المحرك الحقيقي للأحداث.
الجملة الاعتراضية {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ}: لتعليم الأدب الروحي والعلمي بالإمساك عن الخوض في التفاصيل التي استأثر الله بعلمها.
الإشارة والتدبر: قصة أصحاب الكهف أعظم برهان ينسف الشكوك في البعث؛ فالذي حفظ الأجساد الغضة غضة مئات السنين وأيقظها بكن فيكون، قادر على جمع رفات البشر من قبورهم وإحيائهم للحساب والجزاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترسيخ عقيدة البعث والنشور بالبراهين العقلية والحسية التي لا تدع مجالاً لريب المشككين.
التوجيه التربوي: التمسك بتوحيد العبادة وسد كل ذريعة تفضي إلى الشرك أو الغلو في الصالحين، وتطهير المساجد من شوائب القبور والبدع.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن باليقين المطلق بأن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها، فيستعد للموت والبعث بصالح القول والعمل.