تفصيل نعيم أهل الجنة وحسن مجالسهم وتكريمهم بالذهب والحرير:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص278) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: في قوله تعالى: {أُولَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ}: جنات إقامة وخلود دائم لا يزول ولا يحول؛ والعدن في لغة العرب: الاستقرار والدوام؛ يقال: عدن بالمكان إذا أقام به، {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ}: تجري من تحت منازلهم وقصورهم وغرفهم الأنهار الأربعة (ماء، ولبن، وعسل، وخمر)، {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ}: يلبسون في أيديهم أساور من الذهب الخالص واللؤلؤ؛ إكراماً وزينة لهم، {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ}: قال ابن عباس: السندس هو ما رق ولان من الحرير والديباج، والإستبرق هو ما غلظ وثخن منه وله بريق ولمعان، {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ}: الأرائك جمع أريكة وهي السرر المزينة بالستور والحجال كالتي تجلس عليها الملوك، {نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}: نعم الجزاء هذا الأجر الحسن، وحسنت الجنة منزلاً ومستقراً ومجلساً ومجتمعاً للأحباب.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص170): "يخبر تعالى عن جزاء المؤمنين الصالحين المحسنين؛ بأن لهم جنات عدن، والعدن: الإقامة؛ وأنهم يحلون فيها بأساور الذهب؛ كما ثبت في الصحيح: 'تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء'. ويلبسون الثياب الخضر من الحرير الناعم والديباج الفاخر؛ واختير اللون الأخضر لأنه أبهج الألوان وأريحها للنظر؛ متكئين على الأرائك كالملوك في أبهة النعيم؛ {نِعْمَ الثَّوَابُ}: أي نعم الجنة ثواباً على أعمالهم، {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}: مقابلة لقوله في أهل النار: {وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص410): "السندس: الديباج الرقيق النفيس، والإستبرق: الديباج الغليظ الصفيق اللامع الموشى بالذهب، وعربته العرب قديماً. والاتكاء على الأرائك هيئة أهل النعمة والملك والراحة والأمن؛ فلا تعب ولا نصب ولا خوف".
وجاء في تفسير السعدي (ص475): "هذا تفصيل الأجر الحسن الذي وعد الله به المحسنين؛ جمع لهم بين النعيم الباطن والظاهر: مساكن طيبة وبساتين تجري من تحتها الأنهار، وحلية الأبدان بالذهب والحرير الأخضر، وهيئة الملوك بالاتكاء على الأرائك، وكمال الراحة وحسن المرتفق".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص410)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٤١٠*جامع البيان* (ج15، ص278)جامع البيانالطبري١٥/٢٧٨*تفسير السعدي* (ص475)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٥*تفسيره* (ج5، ص170)مصدر غير محدد٥/١٧٠
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية الصرفية والمعجمية:
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{جَنَّاتُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف، والجملة الاسمية {لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} في محل رفع خبر المبتدأ {أُولَٰئِكَ}.
{عَدْنٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة؛ وعَدَنَ بالمكان إذا لزمه وأقام فيه مستقراً.
{تَجْرِي}: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء للثقل.
{الْأَنْهَارُ}: فاعل تجري مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة في محل نصب حال أو نعت لجنات.
{يُحَلَّوْنَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة في محل نصب حال.
{فِيهَا}: متعلق بيحلون.
{مِنْ أَسَاوِرَ}: من حرف جر للتبعيض أو لابتداء الغاية، وأساور مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف على صيغة منتهى الجموع؛ وأساور جمع إسوار أو سوار.
هذا التطابق والتقابل اللفظي والمعنوي يعطي النص القرآني قوة تأثيرية ترجف منها القلوب شوقاً ورهبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع استنكار لباس الذهب والحرير للرجال في الجنة:
المحاكمة العقلية والشرعية:
حرم الله على ذكور المسلمين لبس الذهب والحرير في دار الدنيا ابتلاءً وتهذيباً للنفوس من الخيلاء والترف والتشبه بالنساء، وادخاراً لهذه اللذة ليوم القيامة؛ كما في الحديث الصحيح: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
نعيم الجنة دار كرامة وجزاء لا دار تكليف؛ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين؛ فما كان ممنوعاً في الدنيا لحكمة الامتحان أباحه الله لأهل كرامته في الجنة إظهاراً للملك والسيادة؛ فأهل الجنة ملوك مكرمون على الأرائك.
الذهب والحرير في الجنة حقائق أخروية تشترك مع مسميات الدنيا في الاسم وتفوقها في الحقيقة والجمال والنقاء بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
التخصيص باللون الأخضر {ثِيَابًا خُضْرًا}: اللون الأخضر في علم النفس والبصريات هو أكثر الألوان بعثاً على السكون والبهجة وانشراح الصدر، وهو لون النماء والحياة والخلود.
الجمع بين {سُندُسٍ} و{إِسْتَبْرَقٍ}: للتنويع في النعيم والملمس؛ فباطن ثيابهم من السندس الرقيق الملاصق للجلد في رقة ونعومة، وظاهرها من الإستبرق الفاخر ذي البهاء والبريق.
الإشارة والتدبر: صابر هؤلاء الفتية ألم الجوع والخوف في الكهف الضيق زماناً يسيراً؛ فأورثهم الله الاتكاء على الأرائك في جنات عدن أبد الآباد؛ فما قيمة تعب الدنيا المؤقت إذا كانت هذه عاقبته ونعيمه؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تشويق القلوب إلى نعيم الجنة وترغيبها في العمل الصالح والتضحية بالملذات المحرمة العاجلة للظفر بالنعيم المقيم.
التوجيه التربوي: تعويد النفس على الزهد في مظاهر الفخر والخيلاء في الدنيا، والصبر على شظف العيش طمعاً في نعيم الدار الآخرة.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن شوقاً غامراً إلى جنات عدن، وتستقر في روحه طمأنينة عميقة وهو يستشعر خاتمة الآية: {نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}.