روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص204) بإسناده عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا}: مقيمين في ذلك الأجر الحسن والثواب العظيم الذي هو الجنة، إقامة دائمة مستمرة سرمدية، لا يموتون فيها ولا يخرجون منها ولا يحولون عنها ولا يفنى نعيمهم أبداً.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص139): "قوله: {مَّاكِثِينَ فِيهِ}: أي في ثوابهم وهو الجنة، مقيمين فيه أبداً، لا زوال له ولا انقضاء؛ كما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: 'يُؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون، ويقال: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون، فيذبح الموت ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت'".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص354): "المكث: البقاء واللبث الطويل الدائم؛ والأبد: الدهر المستمر الذي لا انقطاع له، وهذا نص قاطع في خلود أهل الجنة ودوام نعيمها، وأن الأجر الموعود ليس كنعيم الدنيا الزائل، بل هو نعيم دائم لا ينغصه توقع زوال ولا خوف فوات".
وأشار الشيخ السعدي في تيسير الكريم الرحمن (ص470): "من تمام حسن الأجر أن يكون دائماً مؤبداً؛ لأن النعيم الزائل ناقص بالانقطاع، وبخوف صاحبه من زواله؛ فلما كان نعيماً باقياً أبد الآباد، كان أجراً حسناً كاملاً من جميع الوجوه".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص354)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٥٤*تيسير الكريم الرحمن* (ص470)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٠*جامع البيان* (ج15، ص204)جامع البيانالطبري١٥/٢٠٤*تفسيره* (ج5، ص139)مصدر غير محدد٥/١٣٩
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية الصرفية:
{مَّاكِثِينَ}: حال منصوبة بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وصاحب الحال هو الضمير المجرور في {لَهُمْ}، وماكث اسم فاعل من مَكَثَ يَمْكُثُ مُكْثاً إذا أقام ولبث واستقر في مكانه ولم يبرحه.
{فِيهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {مَّاكِثِينَ}، والضمير يعود على {أَجْرًا حَسَنًا} باعتبار معناه (النعيم أو البستان والجنة).
{أَبَدًا}: ظرف زمان لاستغراق المستقبل منصوب بالفتحة الظاهرة متعلق بـ {مَّاكِثِينَ}؛ والأبد هو استمرار الزمان الذي لا يتناهى ولا ينقطع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في المعمار البياني:
تأكيد لكمال الوصف السابق في قوله: {أَجْرًا حَسَنًا}؛ إذ إن أعلى درجات الحسن في النعيم هو ألا يكون له نهاية ولا يطرأ عليه فناء؛ فلولا الأبدية لما تم حسنه ولما طابت به النفوس على الحقيقة.
المقابلة الضمنية مع الدنيا الفانية: تمهيد للمثل المضروب بعد آيات في قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا... وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا}؛ فالدنيا ومتاعها صائر إلى الزوال والصعيد الجرز، والآخرة وأجرها خالد مؤبد لا ينقطع؛ فالعاقل يؤثر الباقي المؤبد على الفاني المنقطع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة القائلين بفناء الجنة ونعيمها:
زعم بعض أصحاب البدع (كالجهم بن صفوان) أن الجنة ونعيمها يفنيان؛ لأن الحوادث لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية بزعمهم.
المحاكمة العقلية والشرعية الصارمة:
الآية نص قاطع محكم لا يحتمل تأويلاً: {مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا}، وجاءت هذه العبارة مقرونة بالخلود في آيات كثيرة من كتاب الله.
الامتناع العقلي في استمرار الحوادث يختص بما له بداية من جهة الذات دون مشيئة الله الحافظة، أما إذا أراد القادر المطلق سبحانه استمرار خلقه وإمدادهم بالحياة والنعيم الدائم بمشيئته وقدرته فإن العقل لا يحيل ذلك أبداً؛ بل هو مقتضى كمال الجود والقدرة والربوبية الإلهية.
إجماع الصحابة والتابعين وسائر أهل السنة والجماعة على خلود الجنة ونعيمها خلوداً أبدياً لا انقطاع له، وأن القول بفنائها قول مبتدع مخالف لمحكم الكتاب وصحيح السنة وإجماع الأمة.
الإيجاز الإعجازي الباهر: جملة من ثلاث كلمات صورت الخلود السرمدي، واقتلعت من نفوس المؤمنين كل قلق أو خوف من زوال النعمة.
الاطمئنان النفسي المطلق: أعظم آفة تكدر سعادة الإنسان في الدنيا هي "خوف الفوات والموت"؛ فبين القرآن أن تلك الآفة منتفية تماماً في جنات النعيم؛ فهم ماكثون فيها بلا انتهاء ولا موت ولا تحول: {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا}.
الإشارة والتدبر: إذا كانت السعادة الأبدية مضمونة هناك، فما الذي يدعوك للحزن على فوات لذة عاجلة في هذه الأيام المعدودات؟ اجعل همك موصولاً بدار البقاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تذكير القلوب بالدار الآخرة وحقيقة الخلود الأبدي، لمداواة أمراض التكالب على الدنيا والحسد والحرص والشح.
التوجيه التربوي: تربية النفس على الصبر على الطاعات وعن المعاصي وعلى أقدار الله المؤلمة؛ فإن التعب في الدنيا موقوت ومعدود، والراحة في الجنة أبدية لا تنفد.
الأثر الوجداني: يغمر القلب شعور بالبهجة والرضا والشوق العارم إلى لقاء الله والخلود في دار كرامته، وتصغر في عينه كل خسائر الدنيا وزخارفها.