بيان وصف الكتاب بالاستقامة ووظيفتي النذارة والبشارة:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص201) بإسناده عن ابن عباس وقتادة في قوله تعالى: {قَيِّمًا}: مستقيماً لا اختلاف فيه ولا تناقض، وقائماً على سائر الكتب مصدقاً لها ومهيمناً عليها، {لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ}: لينذر بهذا القرآن الكافرين والمكذبين عذاباً أليماً ونكالاً عظيماً صادراً من عند الله وقضائه في الدنيا والآخرة، {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا}: ويبشر المصدقين بالله ورسوله الذين قرنوا إيمانهم بالأعمال الصالحة بأن لهم عند ربهم ثواباً عظيماً ونعيماً مقيماً وهو الجنة.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص138): "قوله: {قَيِّمًا}: أي مستقيماً؛ كرر المعنى بالثبوت بعد النفي؛ فإن قوله: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا} نفي للضلال والريب، و{قَيِّمًا} إثبات للهدى والرشاد التام. وقوله: {لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ}: أي عقاباً من عند الله عاجلاً وآجلاً لمن خالف أمره وكذب بكتابه. {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ... أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا}: أي الجنة التي جمعت كل حسن وجمال".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص353): "القيم: الذي لا ميل فيه ولا زيغ، وقيل: القيم بمصالح الخلق الدينية والدنيوية. والبأس: العذاب والشدة، وحذف المفعول الأول لينذر وهو 'الكافرين' للدلالة على العموم، وليذهب الوهم إلى كل من يستحق الإنذار".
وجاء في تفسير السعدي (ص469): "وصفه بأنه قيّم في ذاته مستقيم، وقيّم لغيره؛ فلا يأمر إلا بأعدل الأخلاق وأحسن الأعمال، ولا ينهى إلا عن أرذلها. وأنزل هذا الكتاب ليجمع بين وظيفتين: نذارة العصاة والكفرة ببأس شديد لا طاقة لأحد به، وبشارة أهل الإيمان والعمل الصالح بالأجر الحسن".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص353)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٥٣*جامع البيان* (ج15، ص201)جامع البيانالطبري١٥/٢٠١*تفسير السعدي* (ص469)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٦٩*تفسيره* (ج5، ص138)مصدر غير محدد٥/١٣٨
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والمعجم:
{قَيِّمًا}: حال ثانية منصوبة بالفتحة الظاهرة من الكتاب، أو حال مؤكدة، أو مفعول به لفعل محذوف تقديره (جعله قيماً). والقَيِّم في اللغة هو المستقيم المعتدل الذي لا اعوجاج فيه، وفَيْعِل من قام يقوم فهو قائم بمصالح العباد.
{لِّيُنذِرَ}: اللام لام التعليل، وينذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازاً بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله أو على الكتاب. والمفعول الأول محذوف تقديره (الناس أو الكافرين).
{بَأْسًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة، والبأس هو الشدة والسطوة والعذاب.
{شَدِيدًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة لـ {بَأْسًا}.
{مِّن لَّدُنْهُ}: جار ومجرور مبني على السكون في محل جر بمن، والهاء مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت ثانٍ لبأساً؛ ولدُن تدل على ابتداء الغاية المكانية أو المعنوية مع شدة القرب والاختصاص.
{وَيُبَشِّرَ}: الواو عاطفة، يبشر فعل مضارع منصوب معطوف على ينذر، والفاعل مستتر.
{الْمُؤْمِنِينَ}: مفعول به أول منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ}: الذين اسم موصول مبني في محل نصب نعت للمؤمنين، ويعملون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والصالحات مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا}: أن واسمها وخبرها، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف (بأن لهم) متعلق بيبشر وهو المفعول الثاني، ولهم خبر مقدم، وأجراً اسم أن مؤخر منصوب، وحسناً نعت منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في النسق البياني:
ارتباط علة الإنزال بالوظيفة والغاية: لما كان الكتاب قيماً مستقيماً معصوماً، ترتبت عليه وظيفته التشريعية والتربوية الكبرى: إنذار المعاندين بأس الله، وتبشير الصالحين بثوابه.
التوازن بين الترهيب والترغيب: جمعت الآية بين الإنذار والبشارة؛ وقُدم الإنذار لأن المقام مقام دفع للفتن وتحدٍ لرؤوس الشرك بمكة، ولأن درء المفاسد والتحذير من المهالك مقدم في الفطرة والعقل على جلب المنافع.
تقييد الإيمان بالعمل الصالح: الربط المحكم بين الإيمان والعمل الصالح {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} لبيان أن الإيمان ليس مجرد أمنية فارغة، بل هو ما وقر في القلب وصدقه العمل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض مذهب المرجئة في فصل العمل عن حقيقة الإيمان:
المحاكمة العقلية والتأصيلية:
تعلق بعض المرجئة بألفاظ الإيمان المجردة لزعم أن الفاسق أو المعطل للأوامر كامل الإيمان ولا يضره ذنب، وأن الوعد بالأجر الحسن ينال بمجرد الاعتراف باللسان.
الرد القرآني الحاسم: الآية قيدت استحقاق البشارة بالأجر الحسن بقيد قطعي: {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ}؛ فدل على أن العمل الصالح شرط لازم وواجب لنيل كمال هذا الوعد والبشارة، وأن الإيمان بدون عمل شجرة بلا ثمر وجسد بلا روح.
البشارة لا توجه لمن عطّل شرائع الله وتجرأ على محارمه، بل لمن صدق قوله بفعله واستقام على جادة الطاعة.
الجمع بين النفي والإثبات: نفي العوج أولاً {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا} ثم إثبات الاستقامة والقوامة {قَيِّمًا}، وهو أبلغ في تأكيد كمال الشيء وسلامته من أي شائبة.
حذف مفعول الإنذار وإظهار مفعول البشارة: حذف المفعول الأول في {لِّيُنذِرَ} لتعميم العذاب والإنذار لكل كافر ومعاند، بينما صرح بمفعول {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ} إكراماً لهم وتخصيصاً لمقامهم بالرحمة والتشريف.
التعبير بـ {مِّن لَّدُنْهُ}: لإضفاء الهيبة القصوى على هذا البأس؛ فإذا كان العذاب من لدن الله القادر الجبار فلا مفر منه ولا عاصم سواه.
الإشارة والتدبر: القرآن كتاب ميزان؛ ينذر ليبعث فيك الخوف الواقي، ويبشر ليبعث فيك الأمل الحادي؛ فالمؤمن يسير إلى الله بين جناحي الخوف والرجاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ينبغي للداعية أن يوازن في خطابه بين البشارة والنذارة؛ فلا يفرط في الترهيب حتى يقنط الناس من رحمة الله، ولا يفرط في الترغيب حتى يتجرأ الناس على محارم الله ويأمنوا مكره.
التوجيه التربوي: حث النفوس على ترجمة العقيدة إلى أعمال صالحة ملموسة؛ فالعمل الصالح هو المحك الفعلي لصدق التدين وحقيقة الإيمان.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن بالطمأنينة والأمل العريض في نيل "الأجر الحسن" الذي أعده الله للمحسنين، وتتحفز همته للبذل والجهاد في طاعة الله.