روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص263) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا}: يقول تعالى ذكره مخبراً نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته عن المدة الحقيقية التي مكثها أصحاب الكهف نياماً من حين أووا إليه وضرب على آذانهم إلى حين بعثهم الله وأطلع الناس عليهم: أنها ثلاثمائة سنة وتسع سنين.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص163): "هذا خبر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم إلى أن بعثهم وعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة سنة وتسع سنين بالقمرية، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية؛ فإن التفاوت بين كل مائة سنة شمسية وقمرية ثلاث سنين، فلذلك قال بعد الثلاثمائة: {وَازْدَادُوا تِسْعًا}".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص397): "قرأ حمزة والكسائي: {ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ} بغير تنوين وإضافة مائة إلى سنين؛ وقرأ الباقون بالتنوين ونصب 'سنين' بدلاً أو عطف بيان أو تمييزاً. والزيادة تسع سنين موافقة للحساب القمري؛ لأن العرب وأهل الإسلام يعتدون بالأهلة؛ كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}".
وجاء في تفسير السعدي (ص473): "هذا بيان من الله العليم الخبير بمدة لبثهم، ثلاثمائة سنة شمسية تزيد تسع سنين بالهلالية؛ وهذا من أدق الإخبار الإلهي الذي فصل ما اختلف فيه الناس ورجموا فيه بالغيب".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص397)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٩٧*جامع البيان* (ج15، ص263)جامع البيانالطبري١٥/٢٦٣*تفسير السعدي* (ص473)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٣*تفسيره* (ج5، ص163)مصدر غير محدد٥/١٦٣
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والمعجم:
{وَلَبِثُوا}: الواو استئنافية، لبثوا فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل. واللبث في اللغة: الإقامة والمكث والتأخر في المكان.
{ثَلَاثَ مِائَةٍ}: ثلاث ظرف زمان منصوب على الظرفية متعلق بلبثوا، وثلاث مضاف ومائة مضاف إليه مجرور بالكسرة (وقرئ بالتنوين مائةً).
{سِنِينَ}: بدل من ثلاث مائة أو تمييز منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم (أو مضاف إليه مجرور بالياء في قراءة الإضافة لغير المنون).
{وَازْدَادُوا}: الواو عاطفة، ازدادوا فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، وهو مطاوع زاد.
{تِسْعًا}: مفعول به لازدادوا منصوب بالفتحة الظاهرة (أو تمييز؛ أي ازدادوا تسع سنين).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في المعمار البياني للقصة:
الإخبار الإلهي الحاسم بعد حكاية التنازع البشري: بعد أن حكى في الآيات السابقة تردد الناس واختلافهم ورجمهم بالغيب في عددهم ومكثهم، قطع الله كل خلاف بهذا النص الصريح القاطع الذي يحدد مدة لبثهم بدقة متناهية لا تدع مجالاً للشك.
التمهيد لرد الغيب المطلق لله في الآية التالية {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا}؛ ليعلم الناس أن هذا التحديد هو خبر الله العليم الذي له غيب السماوات والأرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز الرياضي والفلكي في الفارق بين "السنة الشمسية والسنة القمرية":
المحاكمة الفلكية والعلمية:
السنة الشمسية تقدر تقريباً بـ 365.2422 يوماً، بينما السنة القمرية تقدر بـ 354.367 يوماً؛ بفارق قدره نحو 10.875 يوماً في كل سنة.
بضرب هذا الفارق في 300 سنة:
300 × 10.875 = 3262.5 يوماً.
وبقسمة هذه الأيام على طول السنة القمرية (354.367):
3262.5 ÷ 354.367 ≈ 9.2 سنة قمرية (أي تسع سنين بالضبط).
هذا التوافق الرياضي والفلكي المذهل بين (300 سنة شمسية) و(309 سنين قمرية) التي صاغها القرآن بقوله: {ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} إعجاز فلكي وحسابي معجز لم يكن لأحد من أهل الجاهلية ولا لأهل الكتاب في ذلك العصر القدرة على ضبطه بهذه الدقة المذهلة؛ مما يشهد بأن هذا القرآن نزل من لدن حكيم عليم خبير بأفلاك السماء وحساب الزمان.
الفصل بين العدد الأصلي والزيادة بـ {وَازْدَادُوا تِسْعًا}: بدلاً من أن يقول: "ثلاثمائة وتسع سنين"، قال: {ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا}؛ للتنبيه اللطيف على الفارق بين الحسابين الشمسي والقمري؛ فالحساب الشمسي يقف عند ثلاثمائة، والحساب القمري يزداد تسعاً؛ وهو من أسرار الإعجاز النظمي القرآني.
الإشارة والتدبر: ثلاثمائة وتسع سنين مرت كأنها يوم أو بعض يوم عند هؤلاء الفتية النيام؛ وهكذا عمر الدنيا كلها سيمر سريعاً كأنه ساعة من نهار؛ فالمغبون من ضيع أبدية الآخرة لأجل أعوام معدودات في الدنيا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: إبراز دقة القرآن وإعجازه الفلكي والرياضي في مخاطبة العقول العلمية والباحثين عن الحقائق التوثيقية.
التوجيه التربوي: احترام التقويم القمري الهجري الذي ارتبطت به شعائر الإسلام ومناسك العبادة كالصوم والحج والزكاة.
الأثر الوجداني: يفيض قلب المؤمن إجلالاً لعلم الله الذي أحاط بكل شيء عدداً، ويستشعر عظمة هذا الدين الذي حفظه الله بحفظه.