سبب النزول والتأديب الإلهي بتعليق الأفعال المستقبلية بمشيئة الله:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص259) بإسناده عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: في سبب نزول هذه الآيات: أن قريشاً بعثت النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود يثرب، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد، فإنهم أهل كتاب؛ فقال أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهن فهو نبي، وإلا فهو متقول: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؟ وسلوه عن رجل طواف بلغ مشرق الأرض ومغربها ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هي؟ فلما سألوه صلى الله عليه وسلم قال لهم واثقاً بنصر ربه: "أخبركم غداً بما سألتم عنه"، ولم يستثنِ؛ أي لم يقل: "إن شاء الله". فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوماً حتى أرجف المشركون وشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وتألم غاية الألم، ثم نزل جبريل عليه السلام بسورة الكهف ومعها هذا العتاب والتأديب الإلهي البليغ: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص161): "هذا إرشاد وتأديب من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده؛ إذا عزم على فعل شيء في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله عز وجل، علام الغيوب، الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون؛ فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فلا يجوز لأحد أن يقطع بفعل أمر في المستقبل استقلالاً بقدرته".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص394): "في الآية زجر وتأديب للمكلفين أن يعتمدوا على حولهم وقوتهم في المستقبل؛ فإن الغد غيب مستور، والإنسان لا يملك نفسه ولا أنفاسه ولا بقاءه، فكيف يقطع بالعمل دون مشيئة مدبر الأكوان؟! والنهي وإن كان موجهاً للرسول صلى الله عليه وسلم فالمراد به الأمة جميعاً للتعليم والتأديب".
وجاء في تفسير السعدي (ص473): "هذا النهي كغيره، وإن كان سببه خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن حكمه عام لجميع الأمة؛ فلا يقل أحد على أي أمر مستقبل: إني فاعله، إلا وهو يقرنه بالمشيئة؛ لأن العبد لا يقدر على شيء إلا أن يشاؤه الله".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص394)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٩٤*جامع البيان* (ج15، ص259)جامع البيانالطبري١٥/٢٥٩*تفسير السعدي* (ص473)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٣*تفسيره* (ج5، ص161)مصدر غير محدد٥/١٦١
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية الصرفية:
{وَلَا}: الواو استئنافية للتأديب والتوجيه، ولا ناهية جازمة.
{تَقُولَنَّ}: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم بلا الناهية، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{لِشَيْءٍ}: اللام حرف جر للتعليل أو للاختصاص، وشيء مجرور باللام والجار والمجرور متعلق بتقولن.
{إِنِّي}: إن حرف توكيد ونصب، والياء ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها.
{فَاعِلٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو اسم فاعل يعمل عمل فعله المتعدي لدلالته على الاستقبال.
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبني في محل نصب مفعول به لاسم الفاعل {فَاعِلٌ}.
{غَدًا}: ظرف زمان لمستقبل الأيام منصوب بالفتحة الظاهرة متعلق بفاعل، والجملة الاسمية {إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا} في محل نصب مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية المعترض في سياق قصة الكهف:
اعتراض تربوي رباني عظيم: جاء هذا النهي معترضاً في صلب سياق قصة الكهف؛ تنبيهاً على الحادثة التي رافقت نزول السورة وتأخر الوحي؛ ليكون درساً عملياً حياً لا ينسى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده.
الانتقال من الحديث عن قصة الفتية إلى الحديث عن صلة العبد بمشيئة ربه؛ لبيان أن كل أمر في الوجود محكوم بالمشيئة الإلهية المطلقة؛ فكما كان حفظ الفتية ونومهم وبعثهم محكوماً بالمشيئة، فكذلك سائر أفعال المكلفين في الغد والمستقبل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
برهان العقل الفطري على "حتمية تعليق المستقبل بالمشيئة الإلهية":
المحاكمة الفلسفية والعقلية:
الإنسان كائن محدود، محكوم بالزمان والمكان والضعف؛ لا يملك ضمان حياته للثانية التالية، ولا يدري ما يعرض له من صوارف القدر (موت، مرض، عجز، كوارث، عوائق قاهرة).
الجزم المطلق بفعل شيء في الغد دون تعليق بالمشيئة هو "دعوى علم الغيب وامتلاك القدرة المطلقة"، وتلك صفات تختص بالخالق سبحانه؛ فمن قال: سأفعل غداً كذا مستقلاً فقد نازع الله في كبريائه وأفرط في الجهل بحقيقة عجزه وضعفه.
التعليق بـ "إن شاء الله" هو الإعلان العقلي والشرعي الأصدق عن حقيقة العبودية والافتقار إلى مدبر السماوات والأرض.
التأكيد بنون التوكيد الثقيلة في النهي {وَلَا تَقُولَنَّ}: لإفادة الشدة والتحذير الجازم من الوقوع في هذه الغفلة اللسانية والقلبية.
التنكير في {لِشَيْءٍ}: لإفادة العموم والشمول المطلق؛ أي لا لشيء عظيم ولا حقير، ولا لأمر جليل ولا دقيق؛ فكل ذرة في الوجود تفتقر إلى مشيئة الله.
الإشارة والتدبر: كم عطلت من مشاريع، وكم تعثرت من آمال لأن أصحابها نسوا أن يقولوا بقلوبهم وألسنتهم: "إن شاء الله"! الاستثناء ليس مجرد كلمة تقال، بل هو عقيدة تخضع الإرادة البشرية لإرادة الله العليا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: غرس تعظيم الله في نفوس المخاطبين، وتربيتهم على رد الأمور كلها إلى مشيئة الله وقدره.
التوجيه التربوي: تعويد اللسان على ملازمة قول: "إن شاء الله" في كل موعد ووعد وخطة مستقبلية، ونبذ الغرور والاعتداد بالقوة الذاتية.
الأثر الوجداني: يستشعر المؤمن التواضع والانكسار بين يدي ربه، ويزول عنه داء الكبرياء، ويعيش في كنف التوكل واليقين بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.