تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والنهي عن إهلاك نفسه حزناً على المعاندين:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص208) بإسناده عن قتادة ومجاهد وابن زيد في قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ}: الباخع: القاتل والمهلك نفسه، يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فلعلك يا محمد مهلك نفسك وذاهب بها غماً وحزناً، {عَلَىٰ آثَارِهِمْ}: على توليهم وإدبارهم عنك وتكذيبهم لما جئتهم به، {إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ}: بهذا القرآن العظيم، {أَسَفًا}: حزناً وتلهفاً وغيظاً على تماديهم في الكفر واستحقاقهم للعذاب.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص140): "يقول تعالى مسلياً لرسوله صلى الله عليه وسلم في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبُعدهم عنه؛ كما قال تعالى: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}، وقال: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}، وقال: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}. والباخع: المهلك نفسه؛ أي لا تهلك نفسك أسفاً؛ فإن عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وسيجازيهم بأعمالهم".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص357): "بخع نفسه يبخعها بخعاً إذا قتلها من شدة الوجد والغم، وبخع الأرض بالزرع إذا أجهدها ولم يرحها، والأسف: أشد الحزن والغضب. والمراد بالآية نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن فرط الحزن والتحسر على إعراض قومه، وتأنيسه بأن الهداية بيد الله وحده".
وأشار الشيخ السعدي في تيسير الكريم الرحمن (ص470): "كان النبي صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه على الخلق ورأفته بهم يتفطر قلبه حسرة وأسفاً إذا رأى إعراضهم عن القرآن وعلم ما ينتظرهم من عذاب الله؛ فأنزل الله هذه الآية تسرية عنه وتلطفاً به: لا تجهد نفسك حزناً، فما عليك إلا البلاغ وقد قمت به على أتم وجه".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص357)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٥٧*تيسير الكريم الرحمن* (ص470)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٠*جامع البيان* (ج15، ص208)جامع البيانالطبري١٥/٢٠٨*تفسيره* (ج5، ص140)مصدر غير محدد٥/١٤٠
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والمعجم:
{فَلَعَلَّكَ}: الفاء استئنافية للتسلية، ولعل حرف ترجٍّ ونصب مشبه بالفعل يفيد هنا الإشفاق والتلطف، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب اسم لعل.
{بَاخِعٌ}: خبر لعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو اسم فاعل من بَخَعَ يَبْخَعُ بَخْعاً إذا أهلك وقتل نفسه من الغم، ويعمل عمل فعله.
{عَلَىٰ آثَارِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {بَاخِعٌ}، والآثار جمع أثر وهو ما يتركه السائر وراءه بعد رحيله.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{لَّمْ يُؤْمِنُوا}: لم حرف نفي وجزم وقلب، ويؤمنوا فعل مضارع مجزوم بحذف النون فعل الشرط، والواو فاعل، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ أي: إن لم يؤمنوا فلا تهلك نفسك.
{بِهَٰذَا}: الباء حرف جر، وها للتنبيه، وذا اسم إشارة مبني في محل جر متعلق بيؤمنوا.
{الْحَدِيثِ}: بدل من اسم الإشارة مجرور بالكسرة الظاهرة، والمراد به القرآن العظيم.
{أَسَفًا}: مفعول لأجله منصوب بالفتحة الظاهرة (أو حال من فاعل باخع؛ أي آسفاً)؛ والأسف شدة الحزن والغيظ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في المعمار الموضوعي:
التفات إلهي رحيم إلى نفسية الرسول القائد: بعد أن قرر كفر المشركين وشناعة مقالتهم في الآيات السابقة، التفت إلى قلب النبي الرحيم الذي يكاد يتصدع شفقة عليهم؛ ليخفف عنه وطأة هذا العبء النفسي الثقيل.
التمهيد للحقائق الكونية والسننية: مهدت هذه التسلية لبيان سنة الابتلاء في الآية اللاحقة {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ}؛ ليعلم النبي أن هذه الحياة دار امتحان واختيار، ولن يؤمن الناس كلهم، بل سنة الله اقتضت تمايز الصالح من الفاسد.
تكرار تسمية القرآن بـ {الْحَدِيثِ}: للدلالة على تجدد عطائه وإعجازه ومناسبته لكل عصر وحال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البرهان على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من خلال عاطفته الربانية:
المحاكمة العقلية والنفسية:
الأدعياء والمزورون وطلاب الرئاسة والسلطان لا يكترثون بهداية الجماهير ولا يذرفون دمعاً على هلاك المعاندين؛ بل غاية همهم تحصيل المغانم والتصفيق وإخضاع الرقاب بالقوة.
هذا الحزن العميق الذي كاد يهلك جسد النبي ونفسه الشريفة {بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} شاهد قطعي وتاريخي على صدق رسالته؛ فهو لا يبتغي دنيا ولا سلطاناً، بل يحترق قلبه رحمة بهؤلاء المكذبين لإنقاذهم من نار جهنم.
معاتبة الله لنبيه في هذا الحرص الشديد دليل ساطع على أن القرآن ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلو كان القرآن من إنشائه لما عاتب نفسه ونهاها عن فرط الحزن والشفقة.
الاستعارة التمثيلية البديعة في {عَلَىٰ آثَارِهِمْ}: شبه توليهم وإعراضهم عنه بقوم ارتحلوا وفارقوا ديارهم، ووقف المحب المشفق على آثار ديارهم الدارسة يبكي ويتحسر حتى يكاد يزهق روحه أسفاً؛ وهي من أبلغ صور الحزن النبيل والرحمة السابغة.
استعمال صيغة اسم الفاعل {بَاخِعٌ}: لإفادة شدة مقاربته للهلاك وتلبسه بهذه الحالة النفسية المرهقة.
الإشارة والتدبر: ما أعظم قلبك يا رسول الله! وما أرحمك بأمتك وبالبشرية جمعاء! قومك يرمونك بالحجارة ويصفونك بالسحر والجنون، وأنت تكاد تقتل نفسك حزناً على ألا يؤمنوا فتدركهم رحمة الله! بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ينبغي للداعية أن يجمع بين الحرص والشفقة على المدعوين وبين التوازن النفسي والرضا بقضاء الله؛ فلا يحمل نفسه ما لا تطيق، ولا يظن أنه مسؤول عن نتائج الدعوة؛ فالنتائج والهداية موكولة إلى الله وحده: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}.
التوجيه التربوي: تجنب الاستغراق في مشاعر الإحباط والأسى عند مواجهة الصدود في مجالات الإصلاح والتعليم؛ بل الواجب هو الاستمرار في بذل الجهد وتقديم الحق بالتي هي أحسن وتفويض العواقب لرب العالمين.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن حباً وشوقاً وإجلالاً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتغمره مشاعر الامتنان لجهاده وصبره حتى بلغنا هذا الدين كاملاً نقياً ناصعاً.