تخصيص الإنذار لمن افترى نسبة الولد إلى الله تعالى:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص204) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا}: قال: هم كفار قريش ومشركو العرب الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، واليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله؛ خصهم الله بالإنذار بعد التعميم في الآية السابقة؛ لشناعة هذه المقالة وعظم افترائها على الله جل جلاله.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص139): "قوله تعالى: {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا}: قال ابن إسحاق: وهم مشركو العرب في قولهم: نحن نعبد الملائكة وهم بنات الله. ونبه غيره على أنها تعم كل من ادعى لله ولداً كاليهود والنصارى ومشركي العرب؛ فإن الله تعالى منزه عن الولد والصاحبة والشريك، وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص355): "كرر الإنذار تخصيصاً لهؤلاء لعظم ذنبهم وجسارة افترائهم؛ فإن نسبة الولد إلى الخالق سبحانه تقتضي التشبيه بالمخلوقين وافتقار الإله، وهذا هدم لأصل التوحيد والربوبية؛ ولذلك قال تعالى في سورة مريم: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا}".
وجاء في تفسير السعدي (ص470): "هذا من عطف الخاص على العام لبيان شدة خطره؛ فالإنذار الأول عام لكل من كفر، والإنذار الثاني خاص بهؤلاء المفترين؛ ليدل على أن مقالتهم هذه من أشنع المنكرات التي تستوجب أشد البأس والنكال".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص355)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٥٥*جامع البيان* (ج15، ص204)جامع البيانالطبري١٥/٢٠٤*تفسير السعدي* (ص470)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧٠*تفسيره* (ج5، ص139)مصدر غير محدد٥/١٣٩
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية التركيبية:
{وَيُنذِرَ}: الواو عاطفة، وينذر فعل مضارع منصوب معطوف على {لِّيُنذِرَ} في الآية (2)، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الكتاب أو على الله.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره (عذاباً أو بأساً شديداً) للعلم به من السياق.
{قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا}: اتخذ فعل ماض مبني على الفتح، ولفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة، وولداً مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة (أو اتخذ متعدية لاثنين وولداً مفعول أول والثاني محذوف)، والجملة في محل نصب مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في المعمار البياني وتوافقها مع ختام الإسراء:
عطف الخاص على العام: في الآية (2) قال: {لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ} ليشمل كل كافر ومشرك، ثم أعاد فعل الإنذار هنا معطوفاً: {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا...}؛ للتأكيد على أن هذه المقالة بذاتها هي رأس الضلال الذي يستحق إفراد الإنذار وتشديد الوعيد.
الاتصال التام بختام سورة الإسراء: ختمت سورة الإسراء بنفي اتخاذ الولد: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا}، وجاء مطلع الكهف هنا لينذر الذين خالفوا هذا الأصل وادعوا الولد؛ مما يؤكد الوحدة الموضوعية والاتساق الباهر بين السورتين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك فرية "اتخاذ الولد" في ميزان العقل والبرهان:
المحاكمة العقلية:
استحالة المماثلة والمجانسة: الولد لا يكون إلا من جنس والده وشبيهه ونوعه؛ والله تعالى ليس كمثله شيء، مباين لجميع خلقه، لا جنس له ولا ند ولا مثيل؛ فاستحال عقلاً أن يكون له ولد.
استحالة الافتقار والحاجة: المخلوق يتخذ الولد لحاجته إلى النصرة والمعونة في الكبر، أو لبقاء ذكره بعد فنائه وموته؛ والله سبحانه وتعالى حي قيوم أزلي أبدي، غني مطلق عن العالمين؛ فانتفت كل علة موجبة للولد.
التناقض الصريح في مقولة النصارى واليهود والمشركين: يزعمون أن الله خلق كل شيء، والولد جزء مقتطع من أصل، والجزء مخلوق محدث، فكيف يكون المخلوق المحدث إلهاً أو ابناً للخالق الأزلي؟! هذا تناقض عقلي صريح تسقط به المقولة من أساسها.
التعبير بـ {قَالُوا}: يبرز أنها مجرد مقولة لسانية ساقطة تقذفها الأفواه بلا بينة ولا برهان، ولهذا عقب عليها في الآية التالية بـ {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}.
حذف المفعول الثاني لينذر: لإشعار السامع بأن ما ينتظر هؤلاء من ألوان النكال والبأس أعظم من أن تحيط به عبارة، ولترك الذهن يذهب في تقدير العذاب كل مذهب.
الإشارة والتدبر: كمال التوحيد هو غاية الغايات في هذا الوجود؛ وأعظم جريمة يجترحها عقل أو لسان هي الاعتداء على صفات الألوهية ونسبة النقائص والولد إلى رب العالمين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: التركيز على تصحيح العقيدة وتطهيرها من شوائب الشرك وتثليث النصارى أو خرافات الجاهلية، ومخاطبة العقول بالبراهين الفطرية والمنطقية لدحض الشبهات.
التوجيه التربوي: تنشئة الأجيال على تنزيه الله وتقديسه، ومعرفة صفات الكمال الإلهي، والحذر من التهاون مع المفاهيم المنحرفة التي تمس جناب التوحيد.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن إجلالاً وهيبة لله الأحد الفرد الصمد، ويستشعر عزة الانتماء إلى دين التوحيد النقي الخالص.