روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص213) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا}: يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أظننت يا محمد أن نوم أصحاب الكهف والرقيم وبقاءهم تلك المدة الطويلة أحياء ثم بعثهم هو أعجب آياتنا الدالة على قدرتنا وسلطاننا؟! ليس الأمر كذلك؛ فإن خلق السماوات والأرض، وتسيير الفلك، وخلق الإنسان وتصريف الليل والنهار أعجب وأعظم من شأن هؤلاء الفتية؛ وإن كانت قصتهم آية باهرة.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص143): "هذا تقرير من الله تعالى وتنبيه على أن خلق السماوات والأرض وما بينهما أعجب وأعظم من خبر أصحاب الكهف؛ فلا تستعظم أمرهم في جانب قدرة الله التي لا تحدها حدود. وأما الكهف فهو الغار في الجبل، وأما الرقيم فقال ابن عباس: هو الكتاب المرقوم الذي كتب فيه خبرهم وأسماؤهم في لوح من رصاص أو حجر، ووضع على باب كهفهم. وقيل الرقيم: اسم القرية أو الجبل أو الوادي؛ والصحيح المعتمد في لغة العرب أنه الكتاب المرقوم المنقوش؛ من الرَّقْم وهو الكتابة".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص360): "أم هنا منقطعة متضمنة معنى الإضراب والاستفهام الإنكاري التقريري؛ أي: بل أحسبت ذلك؟ ونبه بذلك على أن معجزات القرآن والكون أعظم من معجزة أصحاب الكهف التي سألت عنها قريش بإيعاز من اليهود امتحاناً للنبوة؛ فكأنهم حصروا العجب في أمر غريب وذهلوا عن عجائب القدرة المبثوثة في كل ذرة من ذرات الوجود".
وأشار الشيخ السعدي في تيسير الكريم الرحمن (ص471): "الاستفهام للإنكار؛ أي: لا تظن أن قصة أصحاب الكهف هي العجب الوحيد من آيات الله؛ فإن آيات الله كلها عجيبة باهرة؛ ولكن المشركين لما سألوا عنها متعجبين نبههم الله على ما هو أعظم وأجل من آيات التوحيد والقدرة".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص360)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٦٠*تيسير الكريم الرحمن* (ص471)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٧١*جامع البيان* (ج15، ص213)جامع البيانالطبري١٥/٢١٣*تفسيره* (ج5، ص143)مصدر غير محدد٥/١٤٣
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية الصرفية:
{أَمْ}: حرف إضراب وعطف منقطع بمعنى بل والهمزة الإنكارية.
{حَسِبْتَ}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الخطاب، والتاء ضمير متصل فاعل.
{أَنَّ}: حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل.
{أَصْحَابَ}: اسم أن منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف.
{الْكَهْفِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، والكهف هو النقب أو الغار الواسع في الجبل.
{وَالرَّقِيمِ}: الواو عاطفة، الرقيم معطوف على الكهف مجرور بالكسرة. والرقيم فعيل بمعنى مفعول من الرَّقْم وهو الخط والكتابة والبيان؛ أي الكتاب المنقوش.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمها.
{مِنْ آيَاتِنَا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من عجباً أو متعلق بالخبر، وآيات مضاف ونا مضاف إليه.
{عَجَبًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة؛ والعَجَب مصدر وصف به للمبالغة؛ أي ذوي عجب، أو أمراً عجيباً مفرداً في الغرابة؛ والمصدر المؤول من {أَنَّ} وما دخلت عليه سد مسد مفعولي حسبت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الاستهلال وبدء الجواب عن أسئلة الامتحان:
الانتقال من الكليات الكونية إلى التفاصيل التاريخية الخاصة: بعد أن أرسى القواعد الكونية في إنزال الكتاب ومصير الأرض الفانية، انتقل مباشرة إلى تفكيك السؤال المحوري الذي ألقاه مشركو مكة تعنتاً بتوجيه من أحبار يهود يثرب: "سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؟".
أسلوب الإفحام قبل السرد: لم يبدأ بسرد القصة مباشرة كحكاية تاريخية، بل افتتحها بتقرير عقلي يهدم الاستغراب الساذج للمشركين؛ ليعلموا أن من يحرك هذا الكون كله قادر على إنامة الفتية وحفظهم مئات السنين دون أن يمسهم فناء؛ فالأمر هين على الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تصحيح الخلل المعرفي في ظاهرة "الانبهار بالغرائب والكرامات":
المحاكمة العقلية والمعرفية:
عقل الإنسان السطحي يميل إلى الانبهار بالظواهر النادرة الخارقة للعادة المألوفة (كنوم أصحاب الكهف 309 سنين)، ويغفل عن المعجزات الكبرى الراتبة التي يراها كل يوم (كطلوع الشمس، وحركة الأفلاك، وتدبير الأرزاق، ونفخ الروح في الجنين).
التنبيه القرآني {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} يرقى بالعقل البشري ليدرك أن استمرار النظام الكوني المنتظم أعظم دلالة على الألوهية والحكمة والقدرة من خرق النواميس في واقعة جزئية.
خرق العادة لأصحاب الكهف ليس إعجازاً عسيراً على الله، بل هو قدر مقدور يسير في جانب طلاقة القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء.
الإضراب بـ {أَمْ} المنقطعة: لنقل الذهن من مشهد الصعيد الجرز وفناء الأرض إلى فضاء العناية الربانية بالثلة المؤمنة؛ وفي ذلك لفت انتباه حاسم ومفاجئ للمستمع.
التنكير في {عَجَبًا} والوصف بالمصدر: لإبراز دعوى المشركين في استعظامهم لهذا الخبر، وردهم إلى الحقيقة الكبرى بأن كل أفعال الله معجزة باهرة.
الإشارة والتدبر: كم من آية إلهية تحيط بك صباح مساء تمر عليها غافلاً معتاداً، وتطلب خوارق العادات لتزداد إيماناً! افتح عين قلبك؛ فكل نفس يدخل ويخرج، وكل نبضة في قلبك هي من آيات الله عجباً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: توجيه أنظار المدعوين إلى آيات الله الكونية الكبرى وأدلة التوحيد العامة، وعدم حصر الدعوة في حكايات الخوارق والكرامات والغرائب.
التوجيه التربوي: تنمية "حاسة التعجب الإيماني" من نعم الله اليومية المعتادة؛ فالألفة حجاب يمنع القلب من إدراك عظمة الخالق في المألوف.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن بالتعظيم والإجلال لله القادر المهيمن، ويتيقن أن من سخر الكون لأوليائه قادر على حمايته ورعايته في كل زمان ومكان.