الروايات المأثورة وسياق التثبيت:
هذا الخطاب القرآني العظيم ظاهره موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به تقرير الحق وتثبيت المؤمنين، وقطع دابر الشك عن المشركين والمترددين من الأمة.
روى ابن جرير الطبري (15/ 181)مصدر غير محدد١٥/١٨١ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: والله ما شك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سأل، بل قال: «لا أشك ولا أسأل».
وروى الطبري وابن كثير (4/ 293)مصدر غير محدد٤/٢٩٣ عن قتادة وسعيد بن جبير والحسن البصري: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك طرفة عين، ولكن هذا أسلوب من أساليب المحاجة والمناظرة في لغة العرب؛ يُخاطب فيه الرئيس والمراد به الأتباع، ومثله قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ}، وقوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}.
وقوله: {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ}: أي أهل التوراة والإنجيل المنصفين كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي؛ فإن ما أُنزل عليك من قصص الأنبياء وهلاك الأمم مصدق لما في الكتب السابقة، لا يمكن لأمي لم يقرأ كتاباً أن يأتي به إلا بوحي من الله.
وقوله: {لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}: أي الشاكين في صدقه وحجيته.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 374)مصدر غير محدد٨/٣٧٤: قال: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره من الشاكين من قومه، وهو معروف في كلام العرب يقول أحدهم لولده: "إن كنت ابني فبرني"، وهو يعلم قطعاً أنه ابنه، ولكن الشرط هنا لبيان الحجة وإلزام الخصم.
ابن تيمية(الجواب الصحيح: 2/ 115)الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيحابن تيمية٢/١١٥: بَيَّن أن الآية حجة قاطعة على أهل الكتاب والمشركين معاً؛ فالمشركون يعظمون أهل الكتاب ويعلمون أنهم أهل وحي قديم، فإحالتهم عليهم تخرس ألسنتهم، والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الشك يقيناً.
السعدي(ص 374)مصدر غير محدد٣٧٤: قال: ليس هذا تشكيكاً للرسول؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ رتبة عين اليقين وحق اليقين، وإنما هو تنبيه لكل سامع يقع في ريب أن يطلب البرهان من المصادر الموثوقة ليزول شكه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
شَكٍّ
الشك تَرَدُّدُ الذهن بين أمرين مستويين لا يترجح أحدهما على الآخر، وأصله في اللغة من الشك وهو تداخل الشيء وخياطته وضمه.
الْمُمْتَرِينَ
جمع ممترٍ، من الامتراء وهو الشك والارتياب بعد ظهور الحجة، وأصله من مريت الضرع إذا حلبته واستخرجت لبنه بالمسح، فالممتري يستخرج الشبهات ويقلبها.
فَإِن
الفاء استئنافية أو فصيحة، إن حرف شرط جازم.
كُنتَ
فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه في محل رفع.
فِي شَكٍّ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كنت.
مِّمَّا
من حرف جر، ما اسم موصول متعلقان بنعت لـ{شَكٍّ}.
أَنزَلْنَا
فعل ماض وفاعل، والجملة صلة الموصول.
إِلَيْكَ
متعلقان بـ{أَنزَلْنَا}.
فَاسْأَلِ
الفاء رابطة لجواب الشرط وجوباً، اسأل فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
الَّذِينَ
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به.
يَقْرَءُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
الْكِتَابَ
مفعول به منصوب.
مِن قَبْلِكَ
متعلقان بمحذوف حال من فاعل يقرؤون أو من الكتاب، والكاف مضاف إليه، وجملة {يَقْرَءُونَ...} صلة الموصول.
لَقَدْ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
جَاءَكَ
فعل ماض ومفعول به.
الْحَقُّ
فاعل مرفوع بالضمة.
مِن رَّبِّكَ
متعلقان بمحذوف حال من الحق.
فَلَا
الفاء عاطفة أو فصيحة، لا ناهية جازمة.
تَكُونَنَّ
فعل مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم بلا، واسمها ضمير مستتر تقديره أنت.
مِنَ الْمُمْتَرِينَ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تكون، والممترين مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم والمحاجة العقلية:
بعد أن قص الله نبأ موسى وبني إسرائيل وفرعون وما فيها من أسرار لا يعلمها إلا أحبار بني إسرائيل المحققون، جاءت هذه الآية لتتحدى منكري النبوة: إن كنتم تزعمون أن هذا مفترى فاسألوا علماء أهل الكتاب الذين ورثوا التوراة لتروا مطابقة هذا الوحي للحقائق الثابتة في كتبهم.
أسلوب التعريض البليغ: توجيه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود به كل إنسان يخالجه تردد؛ وهو أسلوب عربي راقٍ غايته ملاينة المخاطب وإسقاط كبريائه؛ كما يقال: "إياكِ أعني واسمعي يا جارة".
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة توهم الشك في قلب النبي صلى الله عليه وسلم:
زعم بعض المستشرقين والجهلة أن الآية تثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في شك من نبوته!
والجواب التحقيقي الحاسم من وجوه عقلية ولغوية:
أداة الشرط المستعملة هي {إِنْ}، و{إِنْ} في لغة العرب تفيد الشك أو الفرض النظري المحض المستبعد وقوعه، بخلاف "إذا" التي تفيد التحقق، والتعليق بالشرط لا يقتضي إمكان وقوع المشروط؛ كقوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ}، فالولد لله مستحيل، والشرط افتراض جدلي لإفحام الخصم.
إجماع الصحابة والتابعين على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند نزولها: «لا أشك ولا أسأل»، فامتنع المشروط لامتناع الشرط قطعاً.
عصمة الأنبياء تمنع من طروء الشك في الوحي المباشر؛ لأن النبي يتلقى الوحي بيقين كفلق الصبح لا يتطرق إليه وهم ولا ريب.