الروايات المأثورة وسياق الحدث:
لما عجز فرعون وملؤه عن الرد الحجاجي، لجأ فرعون إلى القوة واستعراض الحشد مستعيناً بالسحرة المتخصصين لمغالبة معجزة موسى عليه السلام بزعمه.
روى ابن جرير الطبري (15/ 147)مصدر غير محدد١٥/١٤٧ بسنده عن ابن عباس والسدي: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}: أي حاذق في سحره متقن لصناعته، وأمر بجمع السحرة من شتى أقاليم مصر ومدائنها لمنازلة موسى وإبطال ما جاء به أمام الملأ.
وذكر ابن كثير (4/ 286)مصدر غير محدد٤/٢٨٦ أن مصر في ذلك العصر كانت عاصمة السحر ورأس بلاده، وكان للسحرة شأن عظيم ومكانة عالية عند ملوكهم، فأراد فرعون أن يعارض الحق بما يظنه من جنسه، فحشد أساطين السحر وأهل المعرفة الدقيقة به ليردوا على موسى.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 360)مصدر غير محدد٨/٣٦٠: قال: {عَلِيمٍ} أي متناهٍ في علم السحر بارع فيه، فطلب أصحاب الخبرة الفائقة ليقطع السبيل على موسى.
السعدي(ص 371)مصدر غير محدد٣٧١: نبه إلى أن الله تعالى جعل حشد فرعون للسحرة سبباً لإظهار الحق على أوسع نطاق؛ فإن الحجة إذا غلبت في مجمع عام بحضور أساطين الفن كان ذلك أقطع لدابر الشك وأبلغ في وضوح البرهان.
الشنقيطي(أضواء البيان: 2/ 147)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/١٤٧: قرر الحكمة الإلهية في مجيء كل نبي بما يناسب زمانه؛ فلما كان الغالب على قوم فرعون السحر، أيد الله موسى بآيات تبهر السحرة وتجعلهم أول من يسجد لله؛ لأن المتخصص العالم بفنه هو أقدر الناس على إدراك الحد الفاصل بين القدرة الإنسانية الخداعية والقدرة الإلهية الإعجازية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والاشتقاق:
{ائْتُونِي}: فعل أمر من الإتيان، والهمزة فيه فاء الكلمة، وإذا ابتدئ بها ضمت همزة الوصل وأبدلت الهمزة الثانية ياءً (إيتوني)، وفي الوصل تسقط همزة الوصل وتظهر همزة الكلمة ساكنة.
{سَاحِرٍ}: اسم فاعل من سحر، وفي آيات أخرى {سَحَّارٍ} بصيغة المبالغة، وهما متكاملان؛ فالساحر ذو الصنعة والسحار المبالغ في ممارستها.
{عَلِيمٍ}: فعيل صيغة مبالغة من العلم، أي بالغ العلم والخبرة بالسحر ودقائقه وطرق تمويهه.
التوجيه الإعرابي:
{وَقَالَ}: الواو استئنافية، قال فعل ماض مبني على الفتح.
{فِرْعَوْنُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة منع من الصرف للعلمية والعجمة.
{ائْتُونِي}: ائتوا فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة {ائْتُونِي...} مقول القول في محل نصب.
{بِكُلِّ}: الباء حرف جر، كل اسم مجرور وعلامة جره الكسرة متعلق بـ{ائْتُونِي}.
{سَاحِرٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
قرأ حمزة والكسائي وخلف: {بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ} بصيغة المبالغة (سَحّار) هنا، ووافقهم أبو عمرو في سورة الشعراء، وقرأ الباقون {بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}. وكلتا القراءتين حق؛ فهم سحرة أصحاب مبالغة ودربة طويلة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني واستدعاء المشهد الحاسم:
الآية ترسم بداية التحول الدراماتيكي في الصراع؛ حيث انتقل فرعون من الجدال الكلامي في البلاط إلى الاستنفار العام في الدولة، طالباً جمع السحرة من كل أرجاء مملكته {بِكُلِّ سَاحِرٍ} ولم يقل ببعضهم، مما يدل على خوفه الشديد واستشعاره الخطر الداهم على عرشه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة استدعاء أمهر السحرة وتوريط الباطل لنفسه:
تتجلى هنا سنة إلهية مبهرة؛ وهي أن أهل الباطل هم الذين يمهدون لهزيمتهم بأيديهم دون أن يشعروا. فلو أن فرعون واجه موسى بمفرده أو قتل موسى بطغيانه لقال الناس: لعل موسى كان على حق، لكن فرعون جمع كل ساحر عليم في صعيد واحد وجعل الناس شهوداً ليثبت سحر موسى، فلما خر أولئك الخبراء سجداً عجز فرعون عن ستر الحقيقة، وتحول الحشد الذي جمعه فرعون لنصرته إلى أكبر نصر وتأييد لموسى ولدين الله تعالى.
صيغة الاستغراق في {بِكُلِّ}: تدل على شدة قلق فرعون وفزعه الداخلي، واستنفاره لجميع الطاقات والخبرات السحرية لمجابهة رجل واحد أعزل.
الوصف بـ{عَلِيمٍ}: دلالة على أنه لا يريد هواة أو مبتدئين، بل يريد أهل العلم التام بالصنعة؛ لثقته أن الهواة لن يصمدوا، ولم يعلم أن كبار العلماء بفنهم سيكونون أول من يعترف بالعجز أمام قدرة رب العالمين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدروس الإيمانية والدعوية:
ثقة أهل الباطل المفرطة في وسائلهم المادية تقودهم إلى حتفهم؛ حيث يعتمدون على مهارات البشر وحيلهم وينسون قدرة خالق القوى والبشر.
العالم الحقيقي في تخصصه أقرب إلى الإذعان للحق إذا تجرد من الهوى؛ لأن علمه يرشده إلى الفروق الدقيقة بين الحيلة البشرية وبين المعجزة الإلهية الخارجة عن مقدور البشر.