أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "لما بعث الله تعالى محمداً ﷺ رسولاً، أنكرت كفار قريش ذلك وقالوا متعجبين: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثلنا! أوما وجد الله غير يتيم أبي طالب ليرسله؟! فأنزل الله تبارك وتعالى رداً عليهم: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ...}".
تفسير قوله {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} عند السلف:
اختلف أئمة السلف في المراد بـ "قَدَمَ صِدْقٍ" على أقوال متقاربة جامعة:
قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وسفيان الثوري: هي الأجر والسابقة الحسنة والثواب الصادق المقدر لهم عند ربهم في الأزل.
قول علي بن أبي طالب والحسن البصري وزيد بن أسلم: هو محمد ﷺ وشفاعته العظمى للمؤمنين؛ سُمي قدماً لأنه تقدمهم بالشفاعة والفضل والهداية.
قول الربيع بن أنس ومقاتل: هي سوابق أعمالهم الصالحة وجهادهم وطاعتهم التي قدموها بين أيديهم إلى ربهم.
وجمع الإمام ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/200) بين الأقوال مؤكداً أن "قدم الصدق" يشمل السعادة السابقة، وثواب الأعمال الصالحة المقدمة، وشفاعة النبي ﷺ؛ فكل ما سبق من الخير واستقر عند الله فهو قدم صدق للمؤمنين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "قَدَمَ صِدْقٍ" لغة واستعمالاً:
القَدَم: أصلها ما يُقدمه الإنسان؛ ويُطلق في كلام العرب على السابقة والمنزلة والفضل والشرف والمسعى المحمود؛ يقال: "لفلان قَدَمٌ في العلم أو في الشجاعة" أي منزلة سابقة وسعي مشكور؛ وأضيف إلى "الصِّدْق" لبيان كمال ثباته وطيب عاقبته؛ فكل ما كان لله فهو صدق راسخ لا يعتريه تبديل ولا خذلان.
القراءات المتواترة في {لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} و{لَسِحْرٌ مُّبِينٌ}:
قرأ الجمهور (نافع، عاصم، أبو عمرو، الشاميان، الكوفيون): {إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} على أنه اسم فاعل نعت لرسول الله ﷺ؛ أي إن هذا الرجل لساحر واضح السحر.
وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي: {إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} على أنه اسم مصدر نعت للقرآن العظيم؛ أي إن هذا الكلام لسحر بيّن يسحر العقول. والمعنيان متلازمان؛ فرميهم له بالسحر استلزم رميه بكونه ساحراً.
الإعراب المفصل:
"أَكَانَ": الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، "كان" فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
"لِلنَّاسِ": جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من "عجباً" أو متعلق بـ "عجباً".
"عَجَبًا": خبر "كان" مقدم منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
"أَنْ": حرف مصدري ونصب.
"أَوْحَيْنَا": فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل، والمصدر المؤول (إيحاؤنا) في محل رفع اسم "كان" مؤخر.
"إِلَىٰ رَجُلٍ": متعلق بـ "أوحينا".
"مِّنْهُمْ": جار ومجرور نعت لـ "رجل".
"أَنْ": مفسرة (أو مخففة من الثقيلة، أو مصدرية أي بأن أنذر).
"أَنذِرِ": فعل أمر مبني على السكون وحُرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
"النَّاسَ": مفعول به منصوب بالفتحة.
"وَبَشِّرِ": عاطف وأمر وفاعله مستتر.
"الَّذِينَ": اسم موصول مفعول به في محل نصب.
"آمَنُوا": ماض وفاعله، والصلة لا محل لها.
"أَنَّ": حرف توكيد ونصب.
"لَهُمْ": شبه جملة خبر "أنّ" مقدم.
"قَدَمَ": اسم "أنّ" مؤخر منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
"صِدْقٍ": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"عِندَ رَبِّهِمْ": ظرف مكان نعت لـ "قدم"، والمصدر المؤول متعلق بـ "بشر".
"قَالَ الْكَافِرُونَ": ماض وفاعل مرفوع بالواو.
"إِنَّ": حرف توكيد ونصب.
"هَٰذَا": اسم إشارة اسم "إنّ" في محل نصب.
"لَسَاحِرٌ": اللام المزحلقة، خبر "إنّ" مرفوع بالضمة (أو لسحرٌ).
"مُّبِينٌ": نعت مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبطال استكبار البشر عن جنس الرسول: الاستنكار الإلهي التوبيخي {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} يسفّه منطق المشركين؛ فما وجه الغرابة في أن يبعث الله إلى البشر رسولاً من جنسهم يفهمون لسانه ويعايشونه؟! فلو كان ملكاً لما استطاعوا رؤيته ولما أمكن التأسي به.
التوازن النبوي بين النذارة والبشارة: قرن بين {أَنذِرِ النَّاسَ} لعموم البشر بالتحذير من عواقب الشرك، و{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} بخصوص المؤمنين؛ لبيان وظيفة النبوة الجامعة بين الإنذار والتبشير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اشتراط الملائكية في الرسل: يزعم المشركون والجاحدون أن الرسالة منصب إلهي لا يصح أن يحمله بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق!
الدفع والمحاكمة العقلية الصارمة:
الحكمة الإلهية والرحمة بالبشر تقتضي إرسال رسول من بني جنسهم؛ ليخاطبهم بلغتهم ويكون قدوة عملية لهم في امتثال التكاليف؛ فلو أُرسل ملك لقال الناس: "هذا ملك لا يشتهي ولا يمرض ولا يتعب فكيف نتأسى به؟!".
وكونه {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} يوجب الفخر وإلزام الحجة؛ لأنهم يعلمون صدقه وأمانته منذ طفولته ولم يجربوا عليه كذباً قط، فرميهم له بالسحر تناقض عقلي صارخ لجؤوا إليه عجزاً عن مجابهة الحجة بالبيان.
إفراد لفظ "رَجُلٍ" وتنكيره: {إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ}؛ تنكير تعظيم وتواضع؛ رجل كامل الرجولة، مكتمل الخصال، معروف الأصل والنسب فيهم.
الإضافة البيانية في {قَدَمَ صِدْقٍ}: إضافة الموصوف إلى صفته لبيان ثبات المنزلة؛ فالأقدام تزل في مواقف الشدة إلا أقدام أهل الصدق الذين ثبتهم الله في الدنيا ويثبتهم على الصراط يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بالمنزلة العظمى للمؤمن عند ربه: تبشر الآية أهل الإيمان بأن لهم عند الله رصيداً مدخراً ومقام صدق لا يضيع ولا يتبدل، مما يسكب في القلب الطمأنينة والصمود في وجه التكذيب والابتلاء.
طبيعة الابتلاء بالاتهامات الباطلة: كل داعية ومصلح سائر على طريق النبوة سيتعرض لسهام التشويه ورميه بالسحر أو الجنون أو التخلف؛ فعليه أن يقتدي بالنبي ﷺ ويثبت على تبليغ الحق غير عابئ ببهتان الكاذبين.