الروايات المأثورة وسياق إخلاص الوجهة:
يأتي الأمر الإلهي التأسيسي لنبي الله والمؤمنين بلزوم الاستقامة التامة والإخلاص المحض في التوجه لله تعالى، مائلاً عن كل دين باطل.
روى ابن جرير الطبري (15/ 201)مصدر غير محدد١٥/٢٠١ بسنده عن قتادة ومجاهد والضحاك: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا}: أي استقم على الدين الذي شرعه الله لك مخلصاً له، والحنيف: المائل عن الشرك كله إلى التوحيد والإسلام، مستقيماً عليه لا يلتفت عنه يمنة ولا يسرة.
وقوله: {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: نهي مؤكد وتغليظ للتحذير من مسالك الشرك وأهله؛ فلا تكن منهم في باطلهم ولا تركن إليهم.
وأخرج ابن كثير (4/ 298)مصدر غير محدد٤/٢٩٨ أن هذا معطوف على قوله في الآية السابقة: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ}؛ أي أمرت بالإيمان وأمرت بإقامة الوجه للدين حنيفاً مخلصاً لله رب العالمين، مائلاً عن سائر الأديان الباطلة.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 383)مصدر غير محدد٨/٣٨٣: قال: إقامة الوجه للدين هي توجيه القصد والهمة بكليتها نحو امتثال أمر الله وإخلاص العمل له؛ والعرب تعبر بالوجه عن الذات والقصد؛ لأن الوجه أشرف الأعضاء.
ابن القيم(مدارج السالكين: 3/ 179)مدارج السالكينابن القيم٣/١٧٩: أفاض في بيان معنى "الحنيفية"؛ موضحاً أنها ملة إبراهيم القائمة على الإقبال بالقلب كله على الله والانعطاف عما سواه محبة وخوفاً ورجاءً وتوكلاً.
السعدي(ص 376)مصدر غير محدد٣٧٦: بَيَّن أن إقامة الوجه للدين تعني الإقبال عليه برغبة تامة ونية صادقة، وحفظ حدوده الظاهرة والباطنة دون ميل إلى أهواء النفس والشبهات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَقِمْ
من الإقامة، وأقام العود عدّله وسوّاه حتى لا يكون فيه عوج؛ وإقامة الوجه تسويته وتوجيهه نحو المقصد بلا التفات.
حَنِيفًا
الحنف في أصل اللغة هو الميل، ثم خص في الاستعمال الشرعي بالميل عن كل باطل وشرك إلى التوحيد والاستقامة؛ فالحنيف هو المستقيم المائل عن الضلال.
وَأَنْ
الواو عاطفة، أن مخففة من الثقيلة أو مصدرية معطوفة على {أَنْ أَكُونَ}، والتقدير: وأمرت بأن أقم وجهك، أو مفسرة.
أَقِمْ
فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
وَجْهَكَ
مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والكاف مضاف إليه.
لِلدِّينِ
جار ومجرور متعلقان بـ{أَقِمْ}.
حَنِيفًا
حال من الوجه أو من الضمير المستتر في أقم منصوبة بالفتحة الظاهرة.
وَلَا
الواو عاطفة، لا ناهية جازمة.
تَكُونَنَّ
فعل مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم بلا الناهية، واسمه مستتر تقديره أنت.
مِنَ الْمُشْرِكِينَ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تكونن، والمشركين مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني والارتقاء في التكليف:
تدرج الخطاب التعبدي من الإيمان القلبي العام {أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، إلى إخلاص الوجهة وتجريد القصد {أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا}، ثم إلى التحذير الجازم من أدنى شوائب الشرك {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
الجمع بين الأمر بالاستقامة الإيجابية والنهي عن الشرك السلبي؛ لتحقيق كمال التوحيد القائم على النفي والإثبات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سر نهي المعصوم عن الشرك:
كيف ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرك بنون التوكيد الثقيلة وهو معصوم مبرأ من الشرك قطعاً؟
والجواب التحقيقي الراسخ:
الخطاب موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به عموم أمته والمكلفين جميعاً؛ فالنبي هو القدوة والمثل الأعلى للأمة.
التعبير يفيد عظم خطر الشرك وبشاعته؛ فإذا كان خيار الخلق وسيد الأنبياء يُحذر ويُنهى عن الشرك بهذا الأسلوب الجازم، فكيف بغيره من سائر الناس؟ فهذا يقطع كل أمل في التساهل مع الشرك.
عصمة الأنبياء لا تقتضي سقوط التكليف والخطاب الشرعي عنهم، بل هم أشد الناس استجابة لأوامر الله ونواهيه.