الروايات المأثورة وسياق الدعوة إلى النظر الكوني:
بعد أن بين أن الرجس يحل بمن لا يعقل، فتح الله أمام العقول أوسع أبواب المعرفة واليقين، داعياً البشرية إلى التأمل الاستقرائي في ملكوت السماوات والأرض.
روى ابن جرير الطبري (15/ 195)مصدر غير محدد١٥/١٩٥ بسنده عن قتادة ومجاهد: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: أي تفكروا واعتبروا بما خلق الله في السماوات من شمس وقمر ونجوم وأفلاك وأمطار، وفي الأرض من جبال وأنهار وبحار وأشجار ونبات وحيوان، فإنها براهين ناطقة بتوحيد الصانع وقدرته.
وقوله: {وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ}: روى الطبري وابن كثير (4/ 296)مصدر غير محدد٤/٢٩٦ أن (ما) هنا نافية؛ أي أن هذه الآيات الكونية العظيمة وهؤلاء الرسل المنذرين لا ينفعون ولا يدفعون العذاب عمن سبقت عليه الشقاوة وأصر على جحوده وكفره، وقيل: (ما) استفهامية للإنكار والتوبيخ؛ أي أي شيء تغني الآيات عمن كتب الله عليه الضلال؟!
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 380)مصدر غير محدد٨/٣٨٠: قال: النظر المأمور به هنا هو نظر الاعتبار والاستدلال العقلي بالعين والبصيرة؛ فإن النظر المجرد بلا فكر نظر بهيمي لا يثمر إيماناً.
ابن القيم(مفتاح دار السعادة: 1/ 188)مفتاح دار السعادةابن القيم١/١٨٨: أفاض في بيان دلالة النظر في الآفاق؛ حيث جعل الله الكون كتاباً مفتوحاً يصدق الكتاب المقروء (القرآن)، فمن نظر بعين البصيرة قاده كل كائن إلى الإقرار بوحدانية الخالق.
السعدي(ص 375)مصدر غير محدد٣٧٥: قال: هذا حث من الله لعباده على تدبر مخلوقاته؛ ليعلموا كماله وعظمته، ولكن الآيات لا تنفع إلا القلوب الحية، أما من مات قلبه بالكفر فلا تجديه الآيات نفعاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
انظُرُوا
النظر هنا نظر القلب والفكر بالبصيرة للاعتبار، وإن كان متوسلاً بنظر العين.
تُغْنِي
من الإغناء، وأغنى عنه الشيء نفعه ودفع عنه المكروه وجعله في غنى عن غيره.
النُّذُرُ
جمع نذير، وهو الرسول المنذر المخوف من عذاب الله، أو جمع نذارة وهي الإنذار والتخويف.
قُلِ
فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
انظُرُوا
فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، وجملة {انظُرُوا...} مقول القول.
مَاذَا
(ما) استفهامية مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبر؛ أو (ماذا) كلها اسم استفهام مبني في محل نصب مفعول به مقدم لفعل محذوف، والمعنى: أي شيء كائن في السماوات.
فِي السَّمَاوَاتِ
متعلقان بمحذوف صلة الموصول أو بمحذوف حال.
وَالْأَرْضِ
معطوف على السماوات.
وَمَا
الواو عاطفة أو حالية، ما نافية لا عمل لها (أو استفهامية في محل نصب مفعول مطلق أو مفعول به).
تُغْنِي
فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة.
الْآيَاتُ
فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
وَالنُّذُرُ
معطوف مرفوع.
عَن قَوْمٍ
جار ومجرور متعلقان بـ{تُغْنِي}.
لَّا
نافية.
يُؤْمِنُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل جر نعت لـ{قَوْمٍ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم والتناغم المعرفي:
بعد أن نفى في الآيات السابقة نفع الآيات لمن حقت عليه كلمة العذاب {وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ}، أمر هنا عموم المكلفين بالنظر والاعتبار؛ لئلا يظن أحد أن الحجة غائبة، فالآيات مبثوثة في كل ذرة من ذرات الكون، ولكن الخلل في القابل المعاند: {عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دعوة القرآن للمنهج العلمي التجريبي والتأمل الكوني:
الآية صريحة في تأسيس المنهج الاستقرائي الرصين؛ فالإسلام لا يطلب إيماناً خرافياً بل يوجب {انظُرُوا}؛ والنظر في السماوات والأرض يشمل علم الفلك والجيولوجيا والأحياء والفيزياء وغيرها من العلوم الكونية؛ فكل كشف علمي رصين هو في حقيقته كشف لآية من آيات الله تزيد المؤمن يقيناً، وتقيم الحجة على الجاحدين.
التعبير بـ{مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: صيغة تفخيم وتهويل لما أودع الله في هذا الكون من دقائق الصنع وعجائب التقدير؛ فكأنه يقول: انظروا أي إعجاز وأي عظمة مستقرة في الآفاق!
الجمع بين {الْآيَاتُ} (الدلائل العقلية الصامتة) و{النُّذُرُ} (الدلائل النبوية الناطقة)؛ لاكتمال الحجة من جهتي العقل والنقل.
التعبير بالمضارع {لَّا يُؤْمِنُونَ}: للدلالة على استمرارهم وتجدد كفرهم وعنادهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
عبادة التفكر في خلق السماوات والأرض من أجل العبادات التي تغذي العقل والروح وتورث الخشية لله تعالى.
الداعية يستعين بالبراهين الكونية والواقعية في خطابه الدعوي ليخاطب الفطرة الإنسانية السليمة.
إدراك أن الدليل مهما كان ناصعاً لا يهدي المعاند المستكبر، فيجب عدم تضييع الجهد مع من لا يبتغي إلا الجدال العقيم.