الروايات المأثورة وسياق التقرير القدري:
يقرر الله سبحانه سنة قدرية مطردة في مصائر المعاندين الذين سبقت في علم الله شقاوتهم، فلن تنفع فيهم دعوة ولا تنجع فيهم موعظة.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 185)مصدر غير محدد١٥/١٨٥ بسنده عن قتادة ومجاهد: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ}: أي وجبت عليهم كلمة العذاب ولزمتهم الشقاوة في سابق علم الله وقضائه العادل، {لَا يُؤْمِنُونَ}: أي لا يوفقون للإيمان ولا تنفذ إلى قلوبهم الهداية لفساد ضمائرهم واستكبارهم.
وأخرج ابن كثير (4/ 293)مصدر غير محدد٤/٢٩٣ أن هذه الآية تسلية عظيمة لقلب النبي صلى الله عليه وسلم عمن كفر به من مشركي قريش؛ ليعلم أن هداية القلوب ليست بيده، وإنما هي بيد مقلب القلوب، فمن كتب الله عليه الشقاء في علمه الأزلي لسبق كفره وعناده لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 375)مصدر غير محدد٨/٣٧٥: بَيَّن أن "كلمة ربك" هي حكمه وقضاؤه السابق بنزول العذاب وحرمان الهداية، كقوله تعالى: {وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ}.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 8/ 287)مجموع الفتاوىابن تيمية٨/٢٨٧: قرر أن قضاء الله السابق بالشقاوة عدل لا ظلم فيه؛ لأنه مبني على علمه التام بما ستختاره نفوسهم من الشر والكفر والتمرد على الحق طواعية؛ فحق عليهم القول بعد إعذارهم وإقامة الحجة عليهم.
السعدي(ص 374)مصدر غير محدد٣٧٤: قال: هذا إخبار صادق لا يتخلف، فالذين كتبت عليهم كلمة الغضب لن يؤمنوا أبداً، مهما تنوعت لهم وسائل الهداية وأسباب التذكير.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والاشتقاق:
{حَقَّتْ}: وجبت ولزمت وثبتت ثبوتاً لا مدفع له، وحق الشيء يحق إذا صار ثابتاً واجباً واقعاً.
{كَلِمَتُ}: الكلمة هنا تطلق على القضاء النافذ والوعد والوعيد المكتوب في اللوح المحفوظ.
التوجيه الإعرابي والقراءات:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب ينصب المبتدأ ويرفع الخبر.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم إن.
{حَقَّتْ}: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ{حَقَّتْ}.
{كَلِمَتُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وجملة {حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{رَبِّكَ}: مضاف إليه مجرور، والكاف مضاف إليه.
{لَا}: نافية لا عمل لها.
{يُؤْمِنُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة {لَا يُؤْمِنُونَ} في محل رفع خبر إن.
القراءات المتواترة:
قرأ نافع وابن عامر وشعبة وأبو جعفر: {كَلِمَاتُ رَبِّكَ} بالجمع (ألف بعد الميم وتاء مبسوطة مكسورة).
وقرأ الباقون (ابن كثير وأبو عمرو وحفص وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف): {كَلِمَتُ رَبِّكَ} بالإفراد. والإفراد يفيد الجنس واستغراق الحكم، والجمع يفيد كثرة الكلمات القضائية وتنوعها؛ وكلتا القراءتين حق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في سياق السورة:
بعد أن بين الله موقف فرعون وسحرته وبني إسرائيل والتحذير من الشك والتكذيب، كشف هنا عن الباعث والسر في استمرار طائفة من الخلق على الكفر رغم كل البراهين: وهو سبق كلمة العذاب عليهم بسبب استكبارهم الذاتي واختيارهم الضلالة.
تأكيد الخبر بـ{إِنَّ}: لترسيخ هذا المعنى العقدي الجليل في النفوس لئلا تذهب نفس الداعية حسرات على المعاندين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجبر والقضاء السابق:
قد يقول معترض: إذا كانت كلمة الله قد حقت عليهم بألا يؤمنوا، فكيف يحاسبهم ويعذبهم على أمر مقضي عليهم مسبقاً؟
والجواب المحكم من أئمة أهل السنة والعقل السليم:
إن علم الله السابق وقضاءه كاشف لما سيفعله العبد باختياره وإرادته الحرة، وليس قاهراً له على فعل الكفر بغير إرادته؛ فالله علم أنهم سيعاندون ويصرون على الباطل بمحض إرادتهم فكتب ذلك عليهم.
إن الآيات والبينات عُرضت عليهم عرضاً حقيقياً وبذل لهم الرسل النصح فرفضوه باختيارهم، فاستحقوا الخذلان عقوبة على اختيارهم الفاسد، كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}. فالعدل الإلهي مطلق والعبد يثاب ويعاقب على كسبه واختياره.
إضافة {كَلِمَتُ} إلى {رَبِّكَ}: تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، وتذكير بربوبية الله الخاصة به؛ أي ربك الذي نصرك وسينتقم لك من أعدائك قضى بهذا الحكم العادل.
التعبير بـ{عَلَيْهِمْ}: بحرف الاستعلاء؛ للدلالة على أن كلمة العذاب صارت واقعة ملزمة لهم كالقيد المحيط بأعناقهم الذي لا انفكاك لهم منه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
تسلية الداعية وتفريج كربته حين يرى إعراض بعض المدعوين؛ فعليه البلاغ المبين وليس عليه هداية التوفيق.
الخوف والوجل الدائم من سوء الخاتمة ولزوم الدعاء بالثبات: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
شكر نعمة الإيمان؛ فإنه محض توفيق وفضل من الله تعالى لم يحرمك منه كما حرم أولئك المعاندين.