الروايات المأثورة والتقريع الإلهي للطاغية:
جاء الخطاب الإلهي التوبيخي الصارم لفرعون في لحظة غرقه، تقريعاً له على تأخير التوبة إلى حين فوات الأوان وسقوط الخيار.
روى ابن جرير الطبري (15/ 174)مصدر غير محدد١٥/١٧٤ بسنده عن قتادة ومجاهد والضحاك: {آلْآنَ}: أي أفي هذا الوقت تؤمن حين انقطعت عنك أسباب الحياة وأيقنت بالهلاك؟! {وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ}: أي في زمن المهلة والسعة والرخاء، {وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}: في الأرض بصدك عن سبيل الله وادعاء الربوبية وتذبيح المستضعفين وإهلاك الحرث والنسل.
وأخرج ابن كثير (4/ 291)مصدر غير محدد٤/٢٩١ أن هذا القول قاله الله تعالى لفرعون تقريعاً وتوبيخاً، أو هو مما خاطبه به جبريل عليه السلام بأمر الله، مبيناً له أن الإيمان في هذه اللحظة لا ينفع ولا يقبل؛ لأن الإيمان المقبول هو ما كان في زمن الاختيار لا في زمن الاضطرار والمعاينة.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 370)مصدر غير محدد٨/٣٧٠: بَيَّن أن الاستفهام في {آلْآنَ} استفهام إنكاري وتوبيخي، وفيه دلالة صريحة على بطلان توبة اليائس، وأن العاصي إذا لم يتب في زمن المهلة ندم حين لا ينفع الندم.
السعدي(ص 373)مصدر غير محدد٣٧٣: قال: وبخه الله على توبته الفاسدة في ذلك الوقت الضيق؛ فالإيمان النافع هو الذي يقدمه العبد راغباً راهباً في صحته وسعته، أما الإيمان عند حلول العذاب والغرق فليس بإيمان حقيقي، بل هو فزع الجبان المقهور.
ابن القيم(مدارج السالكين: 1/ 387)مدارج السالكينابن القيم١/٣٨٧: استدل بالآية على أن التوبة لها وقت محدد وشرط لازم؛ وهو أن تكون في زمن الإمكان، فإذا نزل بأس الله ارتفعت التوبة ولم يقبل من الكافر صرف ولا عدل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والاشتقاق:
{آلْآنَ}: اسم زمان مبني على الفتح لتعريفه بأل الحضورية، وهو مركب من همزة الاستفهام وأل والآن، دخلت همزة الاستفهام الإنكاري على لام التعريف فسُهلت ألفاً ممدودة.
{عَصَيْتَ}: العصيان الخروج عن الطاعة ومخالفة الأمر، وأصله من العصا كأن العاصي يتصلب في الامتناع كصلابة العصا.
التوجيه الإعرابي والقراءات:
{آلْآنَ}: همزة الاستفهام الإنكاري دخلت على (الآن)، والآن ظرف زمان مبني على الفتح متعلق بمحذوف تقديره: أتؤمن الآن وتتوب الآن؟
{وَقَدْ}: الواو حالية، قد حرف تحقيق.
{عَصَيْتَ}: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل، والجملة في محل نصب حال من الضمير المستتر في الفعل المقدر (أتتوب الآن وحالك أنك قد عصيت قبل).
{قَبْلُ}: ظرف زمان مبني على الضم في محل نصب لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى متعلق بـ{عَصَيْتَ}.
{وَكُنتَ}: الواو عاطفة على جملة عصيت، كان فعل ماض ناقص والتاء اسمه.
{مِنَ الْمُفْسِدِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان، والمفسدين مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
قرأ قالون عن نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ورويس: بتسهيل الهمزة الثانية بين بين، أو إبدالها ألفاً مع المد المشبع أو القصر، ونقل حركة الهمزة إلى اللام (آلَانَ).
وقرأ الباقون: بهمزة ممدودة محققة بعدها لام ساكنة مظهرة مع المد المشبع بمقدار ست حركات للساكن اللازم (آلْآنَ).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني وقطع الأمل:
جاء التعبير بـ{آلْآنَ} كحد قاطع يصفع كل آمال الطاغية في النجاة؛ فكلمة واحدة حملت في طياتها خيبة السنين وحصاد العمر الفاسد، وقرنت حاضر الخزي بماضي العصيان والإفساد.
قوله {وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ}: تذكير له برصيده المظلم الطويل؛ فلست صاحب زلة عارضة حتى يُتسامح معك، بل أنت صاحب تاريخ مستمر في الطغيان والصد عن الحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عدالة الرفض الإلهي لتوبة فرعون:
قد يدعي مدعٍ: أين سعة الرحمة الإلهية من هذا الموقف؟
والجواب التحقيقي: إن العدل الإلهي المطلق يقتضي عدم المساواة بين من استجاب للحق طائعاً محباً في وقت الفتنة والشدة (كالسحرة والمؤمنين المستضعفين)، وبين من عاش حياته كلها يسفك الدماء ويدعي الربوبية، ولم يقل: "آمنت" إلا حين انقطعت أنفاسه وابتلعه اليم! فلو قبلت توبته لكان ذلك تسوية بين المتناقضين وإبطالاً لحكمة الابتلاء والتكليف البشري؛ فرحمة الله وسعت كل شيء لمن استقام في دار التكليف، وغضبه يحل بمن أصر على الفساد حتى اللحظة الأخيرة.