الروايات المأثورة وسياق الدعاء النافذ:
بعد أن بلغ العتو الفرعوني منتهاه، ويئس موسى عليه السلام من إيمانهم بعد سنين طويلة من الإعذار والإنذار بالآيات التسع، رفع كليم الله يديه متضرعاً بالدعاء الحاسم على فرعون وملئه.
روى ابن جرير الطبري (15/ 164)مصدر غير محدد١٥/١٦٤ بسنده عن ابن عباس وعطية العوفي: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ}: قال: مسخ الله أموالهم فصارت حجارة يابسة؛ دنانيرهم ودراهمهم وحروثهم وثمارهم مسخت كلها حجارة.
وروى الطبري وابن كثير (4/ 289)مصدر غير محدد٤/٢٨٩ عن قتادة ومجاهد والضحاك: أن الله مسخ أموال القبط فصارت حجارة منقوشة كهيئتها لا ينتفع بها بشيء.
وأخرج ابن كثير عن محمد بن كعب القرظي قال: دعا موسى عليه السلام وأمَّن هارون عليه السلام، فجاءت الإجابة لهما معاً: {قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا}، فكان موسى يدعو وهارون يؤمن، فسمي الداعيان داعيين.
وقوله: {وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}: أي اطبع واختم عليها وقسّها فلا تلين ولا تنفذ إليها موعظة، {فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}؛ عقوبة لهم على عنادهم الطويل، ليعاينوا العذاب حين لا ينفعهم الإيمان.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 367)مصدر غير محدد٨/٣٦٧: بَيَّن أن دعاء موسى لم يكن عن غضب شخصي ولا حظ نفس، بل كان غيرة لحرمات الله وبعد أن أعلمه الله بأنهم لا يؤمنون، كما قال نوح عليه السلام: {رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا}.
ابن تيمية(منهاج السنة: 5/ 412)منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدريةابن تيمية٥/٤١٢: أشار إلى أن اللام في {لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ} هي لام العاقبة والصيرورة، أو لام التعليل بحسب الحكمة التقديرية الكونية؛ أي أن إيتاءهم النعم استدراجاً أفضى إلى إضلالهم للناس وصدهم عن سبيل الله.
السعدي(ص 373)مصدر غير محدد٣٧٣: قال: هذا دعاء صادر من نبي غيور على دين الله، لما رأى أن أموالهم صارت وسيلة لفتنة الضعفاء وإضلال الخلق، سأل الله إتلاف مادتها التي بها يطغون.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والاشتقاق:
{زِينَةً}: ما يتزين به ويتجمل من المراكب والملابس والقصور والمصاغ والرياش.
{اطْمِسْ}: الطمس محو الأثر وتغيير الصورة وإذهاب العين والخاصية؛ وطمس الأموال مسخها وإتلاف منافعها أو إهلاكها.
{وَاشْدُدْ}: الشد الربط والقوة، والشد على القلب إغلاقه والختم عليه بالقسوة والجفاء حتى لا ينفذ إليه خير.
التوجيه الإعرابي والقراءات:
{وَقَالَ مُوسَىٰ}: فعل وفاعل.
{رَبَّنَا}: منادى مضاف وحذفت ياء النداء.
{إِنَّكَ}: إن واسمها.
{آتَيْتَ}: فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل، والجملة خبر إن.
{فِرْعَوْنَ}: مفعول به أول لـ{آتَيْتَ} منصوب بالفتحة.
{وَمَلَأَهُ}: معطوف منصوب والهاء مضاف إليه.
{زِينَةً}: مفعول به ثان منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
{وَأَمْوَالًا}: معطوف منصوب.
{فِي الْحَيَاةِ}: متعلقان بـ{آتَيْتَ} أو بمحذوف نعت.
{الدُّنْيَا}: نعت للحياة مجرور بالكسرة المقدرة.
{رَبَّنَا}: منادى مكرر للتضرع.
{لِيُضِلُّوا}: اللام لام العاقبة والصيرورة، أو لام التعليل، يضلوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل.
{عَن سَبِيلِكَ}: متعلقان بـ{يُضِلُّوا}.
{رَبَّنَا}: تكرار ثالث للمنادى للاستغاثة وإظهار كمال الافتقار.
{اطْمِسْ}: فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ}: متعلقان بـ{اطْمِسْ}.
{وَاشْدُدْ}: فعل دعاء معطوف على اطمس.
{عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}: متعلقان بـ{اشْدُدْ}.
{فَلَا يُؤْمِنُوا}: الفاء سببية، لا نافية، يؤمنوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية في جواب الدعاء؛ أو لا دعائية ويؤمنوا فعل مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون معطوف على محل الدعاء.
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وجر.
{يَرَوُا}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل، والمصدر المؤول مجرور بحتى.
{الْعَذَابَ}: مفعول به منصوب.
{الْأَلِيمَ}: نعت منصوب.
القراءات المتواترة:
قرأ الكوفيون (عاصم وحمزة والكسائي وخلف): {لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ} بضم الياء؛ من الإضلال؛ أي ليضلوا غيرهم عن الإيمان.
وقرأ الباقون (نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب): {لِيَضِلُّوا} بفتح الياء؛ من الضلال؛ أي ليكون عاقبة أمرهم أن يضلوا بأنفسهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم وتكرار النداء:
تكرار النداء بـ{رَبَّنَا} ثلاث مرات في آية واحدة:
الأولى لذكر سبب الدعاء وبيان النعمة التي طغوا بها {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ...}.
الثانية لبيان سوء استعمالهم للنعمة وجعلها أداة للصد عن دين الله {رَبَّنَا لِيُضِلُّوا...}.
الثالثة لطلب إنزال النقمة الحاسمة بعد استنفاد كل سبل الإصلاح {رَبَّنَا اطْمِسْ...}.
هذا التكرار يعكس حرقة قلب موسى وشدة ضراعته وافتقاره، وهو أعلى درجات التبتل النبوي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يدعو النبي على قومه بألا يؤمنوا؟:
والجواب التحقيقي الراسخ:
أن الأنبياء أرحم الخلق بالخلق، ولا يدعون على أحد بالهلاك أو الكفر ابتداءً، وإنما كان هذا الدعاء بعد أن أوحى الله لموسى أنهم مطبوع على قلوبهم ولن يؤمنوا، كما أوحى لنوح: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ}.
أن فرعون وملأه اتخذوا الأموال والزينة سلاحاً لتعذيب المؤمنين وصدهم عن دينهم، فالدعاء بطمس أموالهم وإهلاكهم هو في حقيقته دعاء لإنقاذ الفئة المؤمنة المستضعفة وحماية البشرية من شرهم المستطير.
العقوبة هنا من جنس العمل؛ فلما ردوا الحق باختيارهم واستكبروا طبع الله على قلوبهم عدلاً منه سبحانه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}.
التعبير بـ{زِينَةً وَأَمْوَالًا}: الزينة هي المظهر الخادع، والأموال هي المادة والقوة؛ فجمعوا بين فتنة الصورة وبريق المظهر، وبين بطش القوة المادية.
المقابلة بين {اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ} (العقوبة المادية) وبين {وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} (العقوبة المعنوية الروحية)؛ لتعمهم النقمة في كل ما يملكون من ظاهر وباطن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
خطورة الأموال والمظاهر الدنيوية إذا أصبحت أداة للصد عن دين الله وظلم العباد، فإنها تنقلب وبالاً ونقمة على أصحابها.
جواز الدعاء على الظالم المعتدي المستكبر الذي يئس من توبته وصار مصدر فتنة وإضلال للأمة.
تمام التوكل واللجوء إلى الله؛ فحين تنقطع الحيل الأرضية تنفتح أبواب السماء بدعوة المظلومين.