الروايات المأثورة وسياق توبة قوم يونس الفريدة:
يضرب الله مثلاً تاريخياً فريداً لقرية واحدة استثناها الله من سنته في إهلاك القرى المكذبة عند نزول العذاب؛ لما بادرت بالتوبة الصادقة والتضرع الجماعي قبل أن يلزمها العذاب القاطع.
روى ابن جرير الطبري (15/ 187)مصدر غير محدد١٥/١٨٧ بسنده عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي ومجاهد: أن يونس عليه السلام لما دعا قومه في نينوى (بأرض الموصل بالعراق) وأبوا، أنذرهم بنزول العذاب بعد ثلاثة أيام ثم خرج من بين أظهرهم مغاضباً ولم يأذن له ربه بالخروج. فلما أيقن القوم بنزول العذاب ورأوا علاماته وسحبه السوداء قد غشيتهم، قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة، فخرجوا إلى الصحراء صغاراً وكباراً، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الإنس والبهائم، ولبسوا المسوح وعجوا إلى الله بالبكاء والضراعة تائبين مقرين بالتوحيد؛ فاستجاب الله لهم وكشف عنهم العذاب.
وروى ابن كثير (4/ 294)مصدر غير محدد٤/٢٩٤ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما تغشتهم سحب العذاب أخلصوا التضرع فكشف الله عنهم العذاب، ومتعهم إلى حين آجالهم.
وقوله: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ}: المعنى: هلا كانت قرية من القرى السالفة المكذبة آمنت في الوقت المناسب قبل نزول العذاب فنفعها إيمانها! أي لم تكن قرية واحدة آمنت بهذه الصفة {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ}.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 376)مصدر غير محدد٨/٣٧٦: بَيَّن أن الاستثناء هنا إما منقطع؛ أي لكن قوم يونس لما آمنوا، أو متصل على المعنى؛ لأن التقدير: ما آمنت قرية من القرى فنفعها إيمانها إلا قوم يونس.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 11/ 437)مجموع الفتاوىابن تيمية١١/٤٣٧: قرر أن قوم يونس آمنوا لما رأوا "مقدمات العذاب وعلاماته"، ولم يكونوا قد عاينوا "العذاب المباشر والغرغرة والهلاك القاطع" كفرعون؛ فقبل الله توبتهم لصدق إنابتهم وتداركهم لأنفسهم قبل فوات الأوان.
السعدي(ص 374)مصدر غير محدد٣٧٤: قال: هذه الآية فيها حث عظيم على المبادرة إلى التوبة والإيمان؛ وبيان لسعة رحمة الله التي وسعت قوم يونس لما تابوا وأنابوا فكشف عنهم الخزي في الدنيا ومتعهم إلى حين آجالهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والاشتقاق:
{فَلَوْلَا}: حرف تحضيض وتوبيخ بمعنى (هلا)، وتأتي هنا متضمنة معنى النفي الصريح؛ أي ما كانت قرية آمنت.
{الْخِزْيِ}: الذل والفضيحة والمهانة العظمى.
{وَمَتَّعْنَاهُمْ}: التمتيع الإبقاء والإعطاء للمتاع الدنيوي لينتفعوا به.
{إِلَىٰ حِينٍ}: إلى انقضاء آجالهم المحددة في الدنيا.
التوجيه الإعرابي والقراءات:
{فَلَوْلَا}: الفاء استئنافية، لولا حرف تحضيض وتوبيخ متضمن معنى النفي.
{كَانَتْ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح، والتاء للتأنيث.
{قَرْيَةٌ}: اسم كان مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{آمَنَتْ}: فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل مستتر تقديره هي، والجملة في محل نصب خبر كان (أو كانت تامة وقرية فاعل وآمنت نعت).
{فَنَفَعَهَا}: الفاء عاطفة تفيد السببية، نفعها فعل ماض والهاء مفعول به مقدم.
قرأ الكسائي: {إِلَّا قَوْمُ يُونُسَ} برفع (قومُ) على البدل من اسم كان أو فاعلها المتقدم على الموضع والاتصال في النفي.
وقرأ الباقون: {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} بنصب (قومَ) على الاستثناء المنقطع أو المتصل المستثنى من موجب أو نفي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني وتسمية السورة:
هذه الآية هي واسطة عقد السورة وعنوانها؛ فمن أجل هذه اللطيفة والحدث التاريخي الفريد سُميت السورة الكريمة بـ"سورة يونس"؛ لبيان كمال لطف الله وقبوله لتوبة التائبين وكشفه العذاب عن قوم يونس بخلاف غيرهم من الأمم.
المقابلة التامة بين هلاك فرعون وملئه في الآيات السابقة وإصرارهم حتى الغرق، وبين نجاة قوم يونس حين تداركوا أنفسهم بالتضرع والإيمان؛ فصار المشهدان درسين متقابلين في شؤم العناد وبركة التوبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قبول توبة قوم يونس ورد توبة فرعون:
كيف قبل الله توبة قوم يونس بعد رؤية العذاب ولم يقبل توبة فرعون؟
والجواب التحقيقي الحاسم لأئمة التفسير:
أما قوم يونس، فرأوا مخايل العذاب ودلائله في الأفق والسماء قبل أن يباشرهم ويصيبهم، ففزعوا إلى التوبة في زمن الإمكان الحقيقي مع صدق نياتهم وإخلاص بكائهم، فقبل الله توبتهم رحمة منه وفضلاً.