الروايات المأثورة وسياق البلاغ العام:
يأمر الله سبحانه نبيه ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بإعلان البراءة التامة من الشرك وأهله، وإشهار التوحيد الخالص بلا مواربة أمام البشرية جمعاء.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 199)مصدر غير محدد١٥/١٩٩ بسنده عن قتادة ومجاهد: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ}: الخطاب لكافة الناس من مشركي قريش وغيرهم، {إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي}: أي إن كنتم في ريب من صحة الدين الذي جئتكم به والتوحيد الذي أدعوكم إليه وترجون أن أوافقكم على آلهتكم أو أداهنكم، فاعلموا براءتي الصريحة: {فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} من الأصنام والأنداد والأوثان، {وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ}؛ أي القابض لأرواحكم والمتصرف في آجالكم ومجازيكم بأعمالكم يوم القيامة، {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}؛ أي أوجب علي ربي أن أكون من المصدقين بوحدانيته المخلصين له العبادة.
وأخرج ابن كثير (4/ 297)مصدر غير محدد٤/٢٩٧ أن هذا الإعلان النبوي الصادع يقطع أطماع المشركين في أي مساومة عقدية؛ فإنه صلى الله عليه وسلم يعلن مفاصلته التامة لأوثانهم، وتوجهه المطلق إلى الإله الحق الذي بيده الحياة والموت والنشور.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 382)مصدر غير محدد٨/٣٨٢: بَيَّن حكمة التعبير بقوله {الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ}؛ حيث خوفهم بالموت والوفاة؛ لأن كل عاقل يقر بأن الصنم لا يقدر على الإماتة والإحياء، فذكرهم بمن بيده خروج أنفسهم ليعلموا أنه هو المستحق للعبادة وحده.
السعدي(ص 375)مصدر غير محدد٣٧٥: قال: هذا برهان عقلي قاطع؛ إن كنتم تشكون في ديني فانظروا إلى المعبودين: أنتم تعبدون جمادات عاجزة لا تنفع ولا تضر، وأنا أعبد الإله القادر القاهر الذي يميتكم ويبعثكم، فمن أحق بالعبادة؟
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 14/ 378)مجموع الفتاوىابن تيمية١٤/٣٧٨: استدل بالآية على وجوب المفاصلة العقدية وإظهار الدين عند قيام الحجة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتنازل قط عن أصل التوحيد ولم يداهن المشركين في باطلهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَتَوَفَّاكُمْ
التوفي قبض الشيء تاماً كاملاً، وتوفي الروح قبضها من الجسد بالموت.
الْمُؤْمِنِينَ
المصدقين المنقادين لله بالتوحيد والعمل الصالح.
قُلْ
فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
يَا
أداة نداء.
أَيُّهَا
أي منادى مبني على الضم في محل نصب، والهاء للتنبيه.
النَّاسُ
بدل أو عطف بيان من أي مرفوع بالضمة، وجملة النداء في محل نصب مقول القول.
إِن
حرف شرط جازم.
كُنتُمْ
فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.
فِي شَكٍّ
متعلقان بمحذوف خبر كنتم.
مِّن دِينِي
متعلقان بنعت لـ{شَكٍّ}، والياء مضاف إليه.
فَلَا
الفاء رابطة لجواب الشرط وجوباً، لا نافية تعمل عمل الفعل.
أَعْبُدُ
فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره أنا، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة، والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به، والجملة صلة الموصول.
وَأُمِرْتُ
الواو عاطفة، أمرت فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل.
أَنْ
حرف مصدري ونصب.
أَكُونَ
فعل مضارع ناقص منصوب، واسمه ضمير مستتر تقديره أنا، والمصدر المؤول في محل جر بنزع الخافض متعلق بـ{أُمِرْتُ}.
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
متعلقان بمحذوف خبر أكون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني وإشهار المفاصلة:
بعد أن عرضت السورة مناظرات التوحيد والقصص وسنن الهلاك والنجاة، جاء هذا الخطاب الختامي بنداء عام {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}؛ ليكون إعلاناً دستورياً للعالمين: أن الإسلام لا يقبل التلفيق، وأن النبي صلى الله عليه وسلم على بصيرة مطلقة لا يخالطه شك ولا تزلزله شبهة.
التعبير بـ{الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} بدلاً من (الذي خلقكم): لمناسبة مقام التهديد والإنذار بالمعاد؛ فالخلق قد ينساه الغافل، أما الموت فواقع حتمي يشاهده كل إنسان ولا يستطيع أحد إنكاره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
برهان الموت والبعث على استحقاق العبادة:
المشركون كانوا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق ولكنهم يزعمون أن الأصنام تشفع لهم، فذكّرهم القرآن بحقيقة الموت والوفاة؛ فالذي يتوفى الأنفس ويقبض الأرواح هو وحده الذي سيحاسبها ويجازيها، فإذا كانت أصنامهم عاجزة عن دفع الموت عن عابديها أو تأخير لحظة الوفاة، فكيف يرجى منها نفع أو شفاعة؟ فهذا إلزام عقلي صارخ ببطلان عبادة غير الله.
المقابلة التامة بين النفي والإثبات: {فَلَا أَعْبُدُ... وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ}؛ وهي مطابقة لصيغة كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" نفياً وإثباتاً.
التعبير بـ{أُمِرْتُ} المبني للمجهول: لتعظيم الآمر وهو الله تعالى، ولإشعار المخاطبين بأن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور متبع ليس له من الأمر شيء، وإنما ينفذ أمر ربه ومولاه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
شجاعة الداعية في إعلان منهجه وثباته على مبادئه أمام المخالفين.