قال أئمة التفسير والسلف (الطبري، ابن كثير، البغوي): "يخبر تعالى أنه رب العالمين وخالق كل شيء، خلق السماوات على علوها وسعتها، والأرض على كثافتها وما فيها في ستة أيام لحكمة أرادها وهو قادر على خلقها بكلمة واحدة (كُن فيكون)، {ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ} استواءً يليق بجلاله وعظمته، {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} يصرف الخلائق، ويحيي ويميت، ويرزق ويعز ويذل، لا يخرج شيء عن علمه ومشيئته".
عقيدة السلف الصافية في الاستواء على العرش:
مذهب سلف الأمة وأئمة أهل السنة والجماعة (مالك، الثوري، الأوزاعي، أحمد، الشافعي): إثبات استواء الله على عرشه استواءً حقيقياً يليق بذاته العلية؛ كما سُئل الإمام مالك رحمه الله: كيف استوى؟ فقال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة!".
إبطال دعاوى الشفاعة الشركية:
قوله: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ}: رد قاطع على المشركين الذين زعموا أن أصنامهم وأولياءهم يشفعون لهم عند الله استقلالاً دون إذن؛ فبيّن الله أن الشفاعة ملكه وحده ولا يشفع أحد عنده إلا بشرطين قطعيين: إذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع له.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "تَدْبِيرِ الأَمْرِ" لغة:
التدبير: النظر في أدبار الأمور وعواقبها، وتصريف الشؤون بحكمة بالغة وموازين مقدرة؛ وتدبير الله لأمر كونه يشمل تقدير الأرزاق، والآجال، وتسيير الأفلاك، وتنزيل الشرائع، والجزاء على الأعمال.
التوكيد بـ "مِن" الزائدة في {مَا مِن شَفِيعٍ}:
دخول "مِن" الزائدة على النكرة في سياق النفي يفيد استغراق ونفي جنس أي شفيع كائناً من كان إلا لمن يأذن له الله.
الإعراب المفصل:
"إِنَّ": حرف توكيد ونصب.
"رَبَّكُمُ": اسم "إنّ" منصوب بالفتحة، والكاف مضاف إليه، والميم للجمع.
"اللَّهُ": لفظ الجلالة خبر "إنّ" مرفوع بالضمة الظاهرة.
"الَّذِي": اسم موصول في محل رفع نعت للفظ الجلالة أو بدل.
"خَلَقَ": ماض مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره هو.
"السَّمَاوَاتِ": مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلزام الخصم بنتيجة برهانه الفطري: لما استنكروا الوحي في الآية السابقة، ساق لهم هنا البرهان الكوني الساحق؛ فذكر خلق السماوات والأرض والعرش وتدبير الأمر، ثم رتب النتيجة الإيمانية بالفاء الفصيحة: {فَاعْبُدُوهُ}؛ فمن كان هذا خلقه وملكه وتدبيره فهو المستحق وحده للعبادة دون تلك الحجارة الصماء.
التذييل بـ {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}: إيقاظ للفطرة المودعة في النفوس؛ فالتوحيد حق بديهي معلوم في أصل الفطرة، ولا يحتاج إلا إلى مجرد تذكر وتفكر لإدراكه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة خلق الكون في ستة أيام مع قدرته على الخلق بكلمة واحدة: لماذا خلق الله الكون في ستة أيام وهو قادر على خلقه بـ "كُن" في طرفة عين؟
الدفع والمحاكمة العقلية والتربوية العميقة:
قدرة الله مطلقة لا يعجزها شيء، وأمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون؛ وإنما خلقه في ستة أيام لحكم إلهية بالغة:
تعليم العباد الأناة والتؤدة والتدرج في تدبير شؤونهم وبناء حياتهم؛ فالأناة من صفات الحكمة، والعجلة من الشيطان.
إبراز عظمة إتقان الخلق ومراحله المحكمة التي تنتقل من طور إلى طور بتقدير دقيق، لتشهد العقول بكمال الصانع الحكيم.
الجملة الفعلية الحالية {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}: التعبير بالمضارع يفيد التجدد والاستمرار؛ فتدبير الكون ليس أمراً انتهى بالخلق، بل هو رعاية دائمة وقيومية مطلقة في كل لحظة ونَفَس.
الحصر في شأن الشفاعة: إشعار بأن كل قوى الوجود خاضعة لجلاله، لا يجرؤ ملك مقرب ولا نبي مرسل أن يبتدئ كلاماً أو شفاعة إلا بعد الإذن الرباني الأقدس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
السكينة والطمأنينة لتدبير الله: إذا استقر في يقين المسلم أن الله وحده هو الذي {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}، زالت من قلبه مخاوف المستقبل وأوهام التعلق بالبشر، وسكنت نفسه إلى قضائه وقدره.
إخلاص العبادة ونفي الشرك: الآية تدعو إلى إفراد الله بالدعاء والاستغاثة والرجاء والتوكل؛ فما دام الشفعاء لا يملكون شفاعة إلا بإذنه، فالواجب التوجه بالطلب إلى من بيده الإذن والملك وحده.