الروايات المأثورة وأسباب النزول وسياق القصة:
جاء هذا المقطع القرآني استئنافاً لبيان سنن الله الكونية والشرعية في إرسال الرسل بعد نوح والأمم التي تلته، حيث قال تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَارُونَ}، أي من بعد الرسل المذكورين في الآية السابقة الذين كذبهم أقوامهم؛ فأرسل الله موسى بن عمران كليمه وأخاه هارون وزيراً ورسولاً إلى أعتى ملوك الأرض في ذلك الزمان وهو فرعون مصر وحاشيته وسادته وملئه.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 142)مصدر غير محدد١٥/١٤٢ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {بِآيَاتِنَا}، قالوا: هي الآيات التسع التي أعطاها الله لموسى، وهي العصا واليد والسنون ونقص الثمرات والرجز والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.
وأخرج ابن كثير (تفسير القرآن العظيم: 4/ 285)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٢٨٥ عند الآية، موضحاً أن الله تعالى أرسل موسى وهارون بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة، فقابلهما فرعون وملؤه بالاستكبار عن قبول الحق والانقياد لأمر الله، {وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ}، أي سجاياهم الإجرام وركوب المعاصي والتمرد على رب العالمين.
أقوال أئمة التفسير المحققين:
القرطبي(الجامع لأحكام القرآن: 8/ 357)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٣٥٧: بَيَّن أن الملأ هم أشراف القوم وكبراؤهم الذين يملأون العيون أبهة والصدور مهابة، وخُصوا بالذكر مع فرعون لأنهم القادة المتبعون وبفسادهم يفسد العامة.
السعدي (تيسير الكريم الرحمن: 371): أشار إلى أن قوله {فَاسْتَكْبَرُوا} يبين علة رد الرسالة، فالاستكبار هو داء القلب الذي يحول بين العبد وبين التصديق بآيات الله، {وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ} وصف لازم لهم وصفة راسخة في نفوسهم قادتهم إلى الهلاك.
الشنقيطي(أضواء البيان: 2/ 145)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/١٤٥: قرر أن القرآن يفسر بعضه بعضاً، فاستكبار فرعون وملئه هنا مجمل، وفصله في سورة القصص بقوله: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ}، وفي سورة النمل: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والاشتقاق:
{بَعَثْنَا}: البعث إثارة الشيء وتوجيهه بحركة ورسالة، وأصله في كلام العرب إثارة البارك أو تحريك الساكن، واستعمل في إرسال الرسل لما فيه من تحريك الهمم وإحياء القلوب الميتة بالوحي.
{مَلَئِهِ}: الملأ في اللغة جمع لا واحد له من لفظه، واحدهم رجل، وسُمُّوا ملأً لأنهم يملأون المجالس بهيبتهم وشخصياتهم، أو لأنهم يتمالؤون أي يتظاهرون ويتعاونون على ما يريدون.
{اسْتَكْبَرُوا}: السين والتاء هنا للطلب والادعاء؛ أي طلبوا الكبر وأظهروه من غير استحقاق؛ فالكبير في الحقيقة هو الله، وهم تكبروا على الحق وخلق الله.
{مُّجْرِمِينَ}: من الجُرم وهو القطع، والجريمة قطع الحق والعدوان، وأجرم دخل في الجرم وصار ذا قطيعة لأمر الله.
التوجيه الإعرابي:
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي الزمني والرتبي.
{بَعَثْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.
{مِن بَعْدِهِم}: جار ومجرور متعلقان بـ{بَعَثْنَا}، والهاء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
{مُوسَىٰ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
{وَهَارُونَ}: الواو حرف عطف، {هَارُونَ} معطوف على موسى منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة ومنع من الصرف للعلمية والعجمة.
{إِلَىٰ فِرْعَوْنَ}: جار ومجرور متعلقان بـ{بَعَثْنَا}، فرعون مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
{وَمَلَئِهِ}: الواو عاطفة، ملئه معطوف على فرعون مجرور وعلامة جره الكسرة، والهاء ضمير متصل مبني على الكسر في محل جر مضاف إليه.
{بِآيَاتِنَا}: الباء للملابسة والمصاحبة، آياتنا اسم مجرور وعلامة جره الكسرة، و(نا) مضاف إليه، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل أو المفعولين، أي متلبسين بآياتنا.
{فَاسْتَكْبَرُوا}: الفاء عاطفة للتعقيب، استكبروا فعل ماض والواو فاعل.
{وَكَانُوا}: الواو حالية أو عاطفة، كانوا فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه.
{قَوْمًا}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{مُّجْرِمِينَ}: نعت لـ{قَوْمًا} منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور {بِآيَاتِنَا} بمد الهمزة وجمع الآية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة:
لما ذكر الله سبحانه إرسال الرسل السابقين بصورة عامة وموجزة في قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا...}، فصّل القول في أعظم قصة واجهت فيها الرسالة طغياناً سياسياً وثقافياً متمثلاً في فرعون وملئه؛ ليتأسى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بموسى وهارون في مواجهة صناديد قريش وعنادهم.
سياق الآية في السورة:
يمثل استهلالاً لقصة موسى التي ستستغرق جانباً كبيراً من الربع الأخير لسورة يونس، مركّزة على أصل قضية التوحيد ودعوى السحر ومصير المتكبرين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع إشكال نسبة التمرد إلى الكبر:
قد يقال: لِمَ نسب الله امتناعهم عن الإيمان إلى الاستكبار والإجرام بدلاً من الجهل؟
والجواب التحقيقي: لأن الآيات التي جاء بها موسى كانت حسية قطعية لا تحتمل الشك أو الجهل، فاليد البيضاء وانقلاب العصا حية تسعى أمور تقطع كل ريبة وتزيل عذر الجهل، فلم يبق مانع من الإيمان إلا الكبر والأنفة من الانقياد لبشر مثلهم من بني إسرائيل المستعبدين.
فالكفر في حقيقته ليس دائماً نتيجة شبهة علمية أو قصور ذهني، بل هو في كثير من صوره مرض نفسي أخلاقي ينشأ من الكبر والاستعلاء الطبقي والسياسي.
عطف {فَاسْتَكْبَرُوا} بالفاء التي تفيد التعقيب؛ للإشعار بسرعة صدور ردهم القبيح ومبادرتهم إلى الكبر دون أدنى تأمل أو تدبر في الآيات؛ إذ المستكبر تحركه أنفته العاجلة دون تروٍّ.
التنكير في {قَوْمًا} مع وصفهم بـ{مُّجْرِمِينَ}: يفيد تمكن صفة الإجرام من نفوسهم حتى صارت طبيعة جامعة لهم، ولإفراطهم في ركوب المعاصي والعتو.
قوله {مِن بَعْدِهِم} مع {ثُمَّ}: التراخي الرتبي لعلو شأن رسالة موسى وهارون بين رسالات الأمم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
خطورة الاستكبار على القلب؛ فهو الحجاب الأعظم الذي يمنع العقل من قبول الحق حتى لو كانت البراهين كفلق الصبح.
وحدة سلوك الطغاة والمترفين على مر التاريخ؛ حيث تقف القيادات الظالمة والملأ الفاسد حجر عثرة أمام رسالات الإصلاح خوفاً على مصالحهم الدنيوية واستعلائهم الوهمي.
الواجب على الداعية ألا ييأس إذا واجهته الحصون السياسية والاجتماعية بالرفض، فإن موسى وهارون واجها أعتى إمبراطوريات العصر بآيات الله متسلحين بالإيمان والصبر.