الروايات المأثورة وسياق التوحيد والقدر:
يؤكد الحق تبارك وتعالى أن هداية الإيمان منحة إلهية محضة، لا تنال بمجرد الرغبة أو القهر، بل بمشيئة الله وإذنه وتوفيقه.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 193)مصدر غير محدد١٥/١٩٣ بسنده عن ابن عباس قال: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}: أي بمشيئة الله وقضائه وتوفيقه لها للإيمان؛ فلو اجتمع أهل الأرض على هداية عبد لم يكتب الله له الهداية لم يقدروا.
وقوله: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}: روى الطبري وابن كثير (4/ 295)مصدر غير محدد٤/٢٩٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: الرجس هنا هو العذاب والضلال والخذلان في الدنيا، والعذاب والنار في الآخرة؛ يجعله الله لازماً لمن عطل عقله وفكره عن تدبر آيات الله وبراهينه.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 379)مصدر غير محدد٨/٣٧٩: قال: الإذن هنا هو القضاء والإرادة والتوفيق؛ فلا يقع في ملكه إلا ما يشاء، والرجس النتن والنجاسة المعنوية من الكفر والضلال والعذاب.
السعدي(ص 375)مصدر غير محدد٣٧٥: بَيَّن أن الآية تجمع بين بيان القدر والشرع؛ فالإيمان بمشيئة الله وإذنه، ولكن الله بحكمته وعدله لا يحرم الإيمان إلا من استحق الحرمان بتعطيل عقله عن فهم حجج الله؛ فكان الرجس جزاءً وفاقاً لعدم عقلهم.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 8/ 432)مجموع الفتاوىابن تيمية٨/٤٣٢: قرر أن قوله {عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} يبين العلة الشرعية للخذلان؛ وهي ترك العقل الصريح الفطري الذي يقود إلى معرفة الرب وتوحيده.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والاشتقاق:
{بِإِذْنِ}: الإذن هنا المشيئة والإرادة التكوينية المقترنة بالتوفيق والتيسير.
{الرِّجْسَ}: القذر والنجاسة، واستعمل في القرآن للنجاسات الحسية كالخنزير، والمعنوية كالشرك والكفر والنفاق والشك والعذاب.
{يَعْقِلُونَ}: من العقل، وأصله في اللغة الإمساك والربط، وعقل البعير ربطه بالعقال؛ وسمي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن ارتكاب القبائح والركون إلى الضلال.
التوجيه الإعرابي والقراءات:
{وَمَا}: الواو عاطفة أو استئنافية، ما نافية.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{لِنَفْسٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان مقدم.
{أَن}: حرف مصدري ونصب.
{تُؤْمِنَ}: فعل مضارع منصوب بالفتحة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي، والمصدر المؤول {أَن تُؤْمِنَ} في محل رفع اسم كان مؤخر.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء.
{بِإِذْنِ}: الباء للسببية أو الملابسة، إذن اسم مجرور والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل تؤمن؛ أي متلبسة بإذن الله.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَيَجْعَلُ}: الواو استئنافية أو عاطفة، يجعل فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله.
{الرِّجْسَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{يَعْقِلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
القراءات المتواترة:
قرأ يونس عن أبان وشعبة عن عاصم في رواية: {وَنَجْعَلُ الرِّجْسَ} بنون العظمة، وقرأ الجمهور: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ} بياء الغيبة عوداً على اسم الجلالة السابق {اللَّهِ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني والتوازن بين القدر والمسؤولية:
لما قرر في الآية السابقة أن الإكراه لا ينفع وأن المشيئة لله {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ...}، أكد هنا أن النفس لا تملك استجلاب الإيمان بذاتها استقلالاً {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ...}.
ثم رفع توهم الظلم فوراً بقوله {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}؛ ليوضح أن العذاب والخذلان لم ينزلا عشوائياً، بل حلا بمن أهدر نعمة العقل وألغى وظيفته في تمييز الحق من الباطل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة العلاقة بين العقل والإيمان:
ترد الآية على من يزعم أن الدين يعارض العقل، أو أن الإيمان تسليم أعمى بلا تعقل؛ فالقرآن يربط بين الكفر والرجس وبين عدم العقل {الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}، فالعقل الصريح بريد الإيمان، والكفر ناتج عن خبل عقلي وانحراف فكري يعطل البديهيات؛ فالمؤمن هو أكمل الناس عقلاً وفطرة، والكافر هو الذي انحط عن رتبة العقلاء فركس في رجس الضلال.