الروايات المأثورة ومواقف التفسير:
يأتي جواب نبي الله موسى عليه السلام بحجة عقلية دامغة واستفهام إنكاري يخرس ألسنة المكابرين.
أخرج ابن جرير الطبري (15/ 145)مصدر غير محدد١٥/١٤٥ عن مجاهد وقتادة وغيرهما في قوله: {أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ}: قالوا: هذا استفهام إنكار من موسى لمقالتهم {إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ}، وحذف مقول قولهم المقدر لدلالة الكلام عليه، أي: أتقولون للحق إنه سحر؟ ثم استأنف محاجتهم: {أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ}؛ أي أنتم تعلمون صفات السحرة وأحوالهم وما يؤول إليه أمرهم من الخيبة والخسران، فهل يشبه هذا الحق سحرهم؟!
ونقل ابن كثير (4/ 286)مصدر غير محدد٤/٢٨٦ عن ابن عباس أن موسى عليه السلام وبخهم على سوء أدبهم مع الحق ومبادرتهم إلى رده دون روية وتفكر، مبيناً أن الفلاح منفي عن الساحر شرعاً وقدراً، وما جاء به موسى هو الفلاح والهدى المطلق.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 359)مصدر غير محدد٨/٣٥٩: بَيَّن أن الكلام يحمل دلالة عقلية واضحة؛ فالساحر إنسان مخادع لا يأتي بخير ولا يستقيم له نظام، ولا ينال فلاحاً في دنيا ولا دين، فكيف ينسب ما يصحبه الصلاح والإعجاز إلى فئة خاسرة ضالة؟
السعدي(ص 371)مصدر غير محدد٣٧١: قال: أنكر عليهم موسى هذه المقالة الشنيعة، وذكرهم بعاقبة السحرة المنفية عنهم كل فلاح، فالسحر عاقبته الخيبة والاضمحلال، أما الحق فعاقبته الظهور والتأييد، فكيف يشتبه أحدهما بالآخر عند ذوي العقول؟
الشنقيطي(أضواء البيان: 2/ 146)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/١٤٦: قرر أن قوله: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} أصل عظيم في نفي الفلاح الحقيقي عن كل من تعاطى السحر؛ لأن السحر كفر وخداع، والكافر المخادع لا يفلح البتة.
{يُفْلِحُ}: من الفلاح، وهو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، وأصله في اللغة الشق والقطع؛ ومنه الفلاح لأنه يشق الأرض بالحراثة ليستخرج ثمراتها. والفائز شق طريق الصعاب حتى بلغ مراده.
{السَّاحِرُونَ}: جمع ساحر، وهو من يمارس السحر ويزاوله صنعة واحترافاً.
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، (ذا) اسم إشارة مبتدأ مؤخر.
{وَلَا}: الواو حالية أو عاطفة، لا نافية للجنس أو نافية تعمل عمل الفعل.
{يُفْلِحُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{السَّاحِرُونَ}: فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة حالية أو معطوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني ودقة الأسلوب:
لما بادر فرعون وملؤه بالاتهام الجائر {إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ}، لم يتردد موسى عليه السلام ولم يستكن، بل رماهم فوراً بحجة ناصعة تفضح بطلان دعواهم.
تقييد الإنكار بقوله {لَمَّا جَاءَكُمْ}: توبيخ لهم على عجلتهم العمياء؛ فالحق ما إن نزل بساحتهم حتى بادروه بالإنكار دون إعطاء أنفسهم فرصة التأمل والتدبر، وهذا سلوك الأحمق المتكبر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة المنطقية لقضية الفلاح:
استخدم موسى عليه السلام قياساً منطقياً بدهياً:
المقدمة الأولى: الساحر لا يفلح أبداً بحكم طبيعة صنعته القائمة على الكذب والإفساد {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ}.
المقدمة الثانية: صاحب هذا الحق (موسى) مؤيد بالبراهين والنصر والفلاح، ويدعو إلى مكارم الأخلاق والتوحيد والعدل.
النتيجة الحتمية: يستحيل عقلاً ووجوداً أن يكون هذا الحق سحراً؛ إذ كيف يثمر السحر هدى وفلاحاً ونجاة؟ وهذا برهان الصدق الذاتي لرسالات الأنبياء.
الإيجاز بالحذف في قوله {أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ...}: حذف المقول لشناعته وقبحه، فكأن موسى يأنف أن يعيد مقالتهم السيئة بتمامها احتراماً لمقام الحق.
الاستفهام التوبيخي في {أَتَقُولُونَ} والاستفهام التعجيبي في {أَسِحْرٌ هَٰذَا}: تنويع في أساليب الاحتجاج لإيقاظ الفطرة وتحريك العقل الراكد.
قوله {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} تذييل مقرر لقاعدة كلية ثابتة لا تنخرم، وهو في قوة القضية الكلية المسلمة عند جميع العقلاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدروس الدعوية والسلوكية:
قوة الحجة وسرعة البديهة من صفات الدعاة إلى الله؛ فينبغي للداعية أن يرد الشبهات بأسلوب عقلي مقنع يقلب الطاولة على الخصوم.
استصحاب السنن الإلهية في الحكم على الأمور؛ فأي مسار يقوم على الخداع والتضليل والسحر والتزييف مآله إلى الفشل والبوار الحتمي، والعاقبة دائماً للحق وأهله.