الروايات المأثورة وسياق التهديد الصارم:
يواجه القرآن المعاندين المستكبرين بحتمية التاريخ وسنن الله التي لا تتبدل في إهلاك المكذبين.
روى ابن جرير الطبري (15/ 196)مصدر غير محدد١٥/١٩٦ بسنده عن قتادة ومجاهد: {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ}: الأيام هنا هي وقائع الله ونقماته وعقوباته التي نزلت بالأمم المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون؛ والعرب تسمي الوقائع العظام بالحروب والنكبات "أياماً"، كقولهم: يوم ذي قار، ويوم بدر، وأيام الله وقائعه في المكذبين.
وقوله: {قُلْ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ}: أمر تعجيز وتهديد ووعيد صريح؛ أي انتظروا ما يحل بكم من العذاب والخزي، وإني منتظر نصر الله وتأييده واستئصالكم.
وأخرج ابن كثير (4/ 296)مصدر غير محدد٤/٢٩٦ أن هذا الخطاب موجه لمشركي مكة المعاندين للنبي صلى الله عليه وسلم؛ يذكرهم بأنهم ليسوا أكرم على الله من الأمم السابقة، وسنة الله جارية عليهم إن استمروا على تكذيبهم.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 380)مصدر غير محدد٨/٣٨٠: قال: هذا استفهام معناه الإنكار والوعيد الشديد؛ أي ما ينتظرون إلا نزول العذاب كما نزل بالماضين قبلهم، وأمر الانتظار تهديد محض كقولك لمن تتوعده: انتظر ما ينزل بك.
السعدي(ص 375)مصدر غير محدد٣٧٥: بَيَّن أن سنن الله في الأمم واحدة ومطردة؛ فالمقدمات المتشابهة تفضي إلى نتائج متماثلة؛ فلما شابه كفار قريش الأمم السالفة في التكذيب والعناد لزمهم أن ينتظروا مثل مصائرهم من الدمار.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 14/ 154)مجموع الفتاوىابن تيمية١٤/١٥٤: قرر أن الاعتبار بـ"أيام الله" وسننه في الماضين واجب شرعي وعقلي؛ لأن سنة الله الكونية لا تحابي أحداً: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَنتَظِرُونَ
الانتظار ترقب الشيء وتوقع حدوثه، وافتعال من النظر؛ لأن المنتظر يمد نظره نحو المتوقع.
أَيَّامِ
جمع يوم، واستعمل هنا في الوقائع والنوائب التاريخية العظيمة وعقوبات الله للأمم.
خَلَوْا
مضوا وسلفوا وانقضت آجالهم، من الخلو وهو مضي الزمان وموت أهله.
فَهَلْ
الفاء استئنافية، هل حرف استفهام متضمن معنى النفي والإنكار.
يَنتَظِرُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
إِلَّا
أداة حصر واستثناء.
مِثْلَ
مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
أَيَّامِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
الَّذِينَ
اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه.
خَلَوْا
فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
مِن قَبْلِهِمْ
متعلقان بـ{خَلَوْا}.
قُلْ
فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
فَانتَظِرُوا
الفاء الفصيحة، انتظروا فعل أمر للتهديد مبني على حذف النون والواو فاعل، والجملة مقول القول.
إِنِّي
إن واسمها (الياء).
مَعَكُم
ظرف مكان متعلق بمحذوف حال، والكاف مضاف إليه.
مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إن، والمستثمرون مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم وتصعيد التهديد الإلهي:
بعد أن بين عجز الآيات عن هداية المعاندين في الآية السابقة، انتقل هنا إلى لغة التهديد الحاسم بانتظار العقاب؛ فالذي لا يرتدع بالبيان العقلي ليس له إلا سوط القدر وعذاب الاستئصال.
المقابلة في الانتظار: {فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ}؛ لكن شتان بين الانتظارين: هم ينتظرون وهم واهمون غرقى في الغفلة ينتظرون نزول الصاعقة، والرسول ينتظر واثقاً بنصر الله وفتح بابه ونجاة أوليائه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حتمية السنن التاريخية والمحاكمة العقلية:
تقوم الآية على برهان الاستقراء التاريخي؛ فالإنسان العاقل يتعظ بما جرى لغيره، فإذا كانت كل أمة كذبت رسلها واستكبرت أهلكها الله بالطوفان أو الرجفة أو الخسف أو الغرق، فبأي حجة عقلية يظن مكذبو قريش ومكذبو كل عصر أنهم بمنأى عن هذا المصير؟ أأجسامهم أصلب؟ أم لديهم براءة في الزبر؟ أم تغيرت سنن خالق الكون؟ إن توهم الإفلات من العقاب جهل مطبق بطبائع التاريخ وسنن الله الكونية.