الروايات المأثورة والتقرير الإلهي:
بيان لحال المعاندين الذين بلغوا القاع في التصلب والعمى القلبي؛ حيث لا تؤثر فيهم المعجزات ولا تنفعهم الدلائل حتى يعاينوا الهلاك الحسي.
روى ابن جرير الطبري (15/ 186)مصدر غير محدد١٥/١٨٦ بسنده عن قتادة: {وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ}: أي كل حجة وبرهان ومعجزة كبرى تخترق الآفاق، {حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}: فلا يؤمنون إلا عند نزول العذاب وبلوغ الروح الحلقوم، وحينئذ لا ينفعهم الإيمان، كحال فرعون عند الغرق.
وأخرج ابن كثير (4/ 294)مصدر غير محدد٤/٢٩٤ أن هذا نظير قوله تعالى في سورة الأنعام: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}، وقوله في سورة الحجر: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 376)مصدر غير محدد٨/٣٧٦: بَيَّن أن الآية متعلقة بالآية السابقة؛ أي لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يعاينوا العذاب، فحينئذ يؤمنون اضطراراً ولا يقبل منهم.
السعدي(ص 374)مصدر غير محدد٣٧٤: قال: هذا يوضح أن علة عدم إيمانهم ليست نقصاً في البراهين ولا قصوراً في الحجج؛ فالآيات قد استوفت كل وجوه البيان، ولكن موانع القلوب من الكبر والهوى تحول دون الانتفاع.
ابن القيم(مفتاح دار السعادة: 1/ 112)مفتاح دار السعادةابن القيم١/١١٢: أشار إلى أن الآيات لا تهدي بذاتها بل هي أسباب، والمحل القابل إذا كان فاسداً بالعتو والجحود لم يزده مجيء الآيات إلا عتواً ونفوراً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
آيَةٍ
علامة دالة على الحق، وتشمل الآيات القرآنية البيانية والآيات الكونية والمعجزات الحسية الخارقة.
الْأَلِيمَ
فعيل بمعنى مؤلم؛ أي ذو الألم البالغ الذي ينفذ إلى أعمق الجوارح والقلوب.
وَلَوْ
الواو حالية، لو شرطية وصلية تفيد المبالغة والتقليل.
جَاءَتْهُمْ
جاءت فعل ماض مبني على الفتح والتاء للتأنيث، وهم مفعول به مقدم.
كُلُّ
فاعل مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
آيَةٍ
مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وجواب لو محذوف دل عليه ما قبله، أي: ما آمنوا.
حَتَّىٰ
حرف غاية وجر ونصب.
يَرَوُا
فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل.
الْعَذَابَ
مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
الْأَلِيمَ
نعت منصوب بالفتحة، والمصدر المؤول من أن المضمرة والفعل في محل جر بـ{حَتَّىٰ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني ودلالة "كل" الاستغراقية:
استخدام {كُلُّ آيَةٍ}: صيغة استغراق تفيد الإحاطة التامة؛ أي لو حشدت لهم كل معجزات الأولين والآخرين لم تتغير طبائعهم.
اتصال الغاية {حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ}: يوضح أن الحد الفاصل الذي يكسر كبرياءهم هو معاينة العذاب ونزول العقاب الحسي؛ لأن كبرهم كبر نفسي لا ينكسر بالحجة العقلية بل بالقهر القاصم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
طبيعة العناد الإنساني ومغالطة طلب المعجزات:
تثبت الآية حقيقة نفسية وفلسفية عميقة: أن المشكلة في الإلحاد والكفر ليست مشكلة "نقص أدلة"، وإنما هي مشكلة "موقف نفسي وأخلاقي" مسبق من الحق؛ فالمكابر يطلب معجزة، فإذا جاءته طلب أخرى، فإذا جاءته فسرها بالسحر أو الصدفة! فلا نهاية لمطالبه حتى يعاين الحقيقة المطلقة بالموت والعذاب، وحينها يسقط الخيار ولا ينفع الإيمان.
المبالغة بـ"لو" الوصلية؛ لإفادة أن الكفر راسخ فيهم في أقصى الفروض وأعظم الحالات ظهوراً للحق.
التعبير بالرؤية {يَرَوُا}: للإشارة إلى الرؤية البصرية العيانية التي تنقل الغيب إلى شهادة؛ فالإيمان بالغيب هو المطلوب، والرؤية تلغي الغيب وتبطل التكليف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
عدم الانخداع بطلب المعاندين للبراهين؛ فكثير منهم إنما يجادل للتعجيز والمماطلة لا طلباً للحق.
التضرع إلى الله بطلب سلامة القلب؛ فإن القلب المريض ينكر الشمس في رابعة النهار.
استدراك الوقت والاعتبار بالعبر قبل معاينة الأهوال التي لا مرد لها.