الروايات المأثورة والتفسير المسند:
استجاب المؤمنون المستضعفون مباشرة لوصية نبيهم موسى عليه السلام، فأعلنوا توكلهم التام على الله، ثم فزعوا إليه بالدعاء والتضرع لكشف الكرب ودفع الفتنة.
روى ابن جرير الطبري (15/ 157)مصدر غير محدد١٥/١٥٧ بسنده عن مجاهد في قوله: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}: قال: لا تسلطهم علينا فيعذبونا ويفتنونا عن ديننا، أو يظنوا أنهم إن ظهروا علينا كانوا على حق وكنا على باطل فيفتتنوا بذلك ويقولوا: لو كانوا على حق ما غلبناهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس وأبي مجلز وقتادة نحو ذلك: أن المعنى يشمل الأمرين: ألا يسلط الظالمين عليهم فيفتنوهم في دينهم بالعذاب، وألا يجعل غلبتهم سبباً لافتتان الظالمين بغرورهم واستكبارهم.
وذكر ابن كثير (4/ 288)مصدر غير محدد٤/٢٨٨ أن المؤمنين لما بادروا إلى التوكل قرنوه بالدعاء؛ لأن التوكل الحقيقي يستلزم الالتجاء إلى الله بالدعاء وسؤاله العافية والسلامة من الفتن.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 364)مصدر غير محدد٨/٣٦٤: قال: هذا دعاء عظيم جمع خيري الدنيا والآخرة؛ سألوا السلامة في أبدانهم من بطش الكفار، والسلامة في أديانهم من الردة والفتنة، ونفي الاغترار عن الكفرة.
السعدي(ص 372)مصدر غير محدد٣٧٢: بَيَّن فقه الدعاء في الآية؛ حيث قالوا: {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} فقدموا الوسيلة العظمى وهي التوكل والاعتصام بربوبيته، ثم دعوا بما يهمهم من النجاة والوقاية من فتنة الظالمين.
ابن القيم(الداء والدواء: ص 87)مصدر غير محدد٨٧: نبه على أن المؤمن يحرص أشد الحرص على ألا يكون سبباً لفتنة غيره، وألا يكون مظلوماً مقهوراً بصورة توهم أهل الباطل أن باطلهم هو الحق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَوَكَّلْنَا
التعبير بالفعل الماضي لإفادة تحقق التوكل ورسوخه وثبوته في قلوبهم.
فِتْنَةً
الفتنة مصدر فتن، واستعملت هنا بمعنى موضع الفتنة أو سبباً لها أو مفتونين؛ أي لا تجعلنا ممتحنين بقهرهم وظلمهم.
الظَّالِمِينَ
الواضعين للشيء في غير موضعه، المتجاوزين للحد بالشرك والعدوان واستعباد الناس.
فَقَالُوا
الفاء عاطفة تفيد المبادرة والتعقيب، قالوا فعل ماض والواو فاعل.
عَلَى اللَّهِ
جار ومجرور متعلقان بـ{تَوَكَّلْنَا}، وتقديمهما يفيد القصر والحصر.
تَوَكَّلْنَا
فعل ماض مبني على السكون و(نا) فاعل، وجملة {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} في محل نصب مقول القول.
رَبَّنَا
منادى منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وحذفت منه أداة النداء للدلالة على القرب، و(نا) ضمير متصل مبني على السكون في محل جر مضاف إليه.
لَا
لا الناهية تفيد الدعاء والطلب والتضرع.
تَجْعَلْنَا
تجعل فعل مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، و(نا) ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول.
فِتْنَةً
مفعول به ثان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
لِّلْقَوْمِ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ{فِتْنَةً}.
الظَّالِمِينَ
نعت لـ{الْقَوْمِ} مجرور وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة الاستجابة وعمق الفقه:
عطف قولهم بالفاء {فَقَالُوا}: يدل على كمال الامتثال وسرعة الاستجابة لأمر نبيهم؛ فلم يترددوا ولم يناقشوا بل نطقوا مباشرة بكلمة التوحيد والتوكل.
تقديم التوكل على الدعاء: يعلمنا أدب الدعاء؛ فتقديم الثناء وإعلان الاعتماد على الله قبل سؤال الحاجة من أعظم أسباب الإجابة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفسير قوله: {لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}:
كيف يكون المؤمن فتنة للظالم؟
والجواب التحقيقي: إذا تسلط الظالم فقهر المؤمن وعذبه وقتله، ظن الظالم المغرور أن الله لو كان راضياً عن هذا المؤمن لنصره، فاستنتج بجهله أن دينه هو الحق ودين المؤمن باطل، فيزداد عتواً وكفراً؛ فالمؤمنون دعوا الله ألا يمكن الظلمة منهم لئلا يفتتن أولئك الظلمة بانتصارهم العارض ويظنوا أنهم على الحق، وفي هذا دقة عالية في رعاية حرمة الدين ونفي الشبهات عن صدور الكفار.
تقديم الجار والمجرور {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا}: حصر اختصاصي؛ أي عليه وحده لا شريك له توكلنا، وفيه مطابقة تامة وتجاوب سريع مع أمر موسى: {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا}.
حذف ياء النداء في {رَبَّنَا}: للدلالة على كمال القرب النفسي والروحي بين العبد وربه في ساعات المحن والشدائد.
التعبير بالوصف المشتق {الظَّالِمِينَ}: لبيان علة النهي والدعاء؛ فالظلم شأنهم وسجيتهم، ومن كان ظالماً كان مظنة لإيقاع الفتنة والعدوان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
المبادرة الفورية في تنفيذ الوصايا الإيمانية؛ فالأزمات لا تحتمل التواني والتردد.
الدعاء سلاح المستضعفين الأعظم؛ فالمؤمن يجمع بين صدق التوكل وحرارة التضرع.
حرص المؤمن على سمعة دينه وصورته في أعين العالمين؛ بحيث لا يرضى أن تكون هزيمته سبباً لصد الناس عن الحق.