قال ابن جرير الطبري وابن كثير والقرطبي: "يخبر تعالى أن مصير الخلائق ومآلهم يوم القيامة إليه وحده لا إلى غيره، {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا} وعداً صادقاً لا يخلف ولا يتبدل، {إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} هو الذي أنشأهم أول مرة من العدم ولم يكونوا شيئاً مذكوراً، ثم يبعثهم ويعيدهم أحياءً بعد الموت؛ والغاية من هذه الإعادة هي مقتضى العدل والحكمة: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} بالعدل والفضل العظيم، ويعاقب الكفار في نار جهنم بشراب من ماء حميم حار يقطع أمعاءهم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون".
مأثور السلف في {بِالْقِسْطِ} والشراب الحميم:
قال مجاهد وقتادة: القسط هو العدل التام، والشراب الحميم: هو الماء المغلي الذي بلغ غاية الحرارة، إذا قُرّب من وجوههم شواها وسقطت فروة رؤوسهم فيه، وإذا شربوه صهر ما في بطونهم والجلود.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تقديم الجار والمجرور في {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ}:
تقديم "إليه" على المبتدأ "مرجعكم" يفيد القصر والحصر؛ أي: إلى الله وحده لا إلى غيره رجوعكم ومصيركم وحسابكم جميعاً، لا مهرب منه ولا ملجأ سواه.
القراءات المتواترة في {إِنَّهُ يَبْدَأُ} و{أَنَّهُ يَبْدَأُ}:
قرأ الجمهور (عاصم، نافع، ابن كثير، ابن عامر، حمزة، الكسائي): {إِنَّهُ يَبْدَأُ} بكسر همزة "إنّ" على الاستئناف والتعليل لتقرير الوعد الحق.
وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب: {أَنَّهُ يَبْدَأُ} بفتح الهمزة؛ بتقدير حرف جر محذوف (بأنه يبدأ الخلق) في محل نصب أو جر عطفاً على موضع وعد الله، أو بدل منه؛ وكلا المعنيين يثبت كمال القدرة على البدء والإعادة.
"بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ": الباء سببية ومصدرية وكان واسمها وجملة يخفرون خبرها، متعلق بـ "عذاب".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البرهان العقلي البديهي على البعث (القياس بالأولى): يستدل القرآن العظيم بالخلق الأول على الخلق الثاني؛ فمن قدر على إنشاء الخلائق من العدم أول مرة، كيف يعجز عن إعادتهم بعد الموت؟! {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}.
العلة الأخلاقية والعدلية للبعث: تبين الآية أن القيامة ضرورة عقلية وأخلاقية حتمية؛ ففي الدنيا يظلم الظالم ويموت مستكبراً، ويُظلم المؤمن ويموت صابراً؛ فلو لم يكن هناك يوم للحساب يقتص فيه للمظلوم ويُجزى فيه المحسن بالقسط لكان الخلق عبثاً، وحاشا لله المنزه عن العبث.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الماديين في استحالة عودة الأجساد بعد تحولها إلى تراب وعظام نخرة: يزعم الملاحدة والمشركون أن الذرات إذا تفرقت في التراب استحال جمعها وإعادتها!
الدفع والمحاكمة العقلية الساحقة:
الذي أوجد الذرة الأولى من العدم المحض دون مثال سابق، لا يعجز عقلاً عن جمع أجزائها المتفرقة وإعادة تركيبها؛ فالإعادة عند كل عاقل أسهل وأهون من الابتداء، مع أن الأمرين في حق القدرة الإلهية سواء بكلمة "كُن".
وعلم الله المحيط لا تغيب عنه ذرة في باطن الأرض ولا في قعر البحار: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}.
المقابلة التامة بين مآل المؤمنين ومآل الكافرين: قابل بين جزاء أهل الإيمان وهو الجزاء بالقسط والكرامة والرحمة، وجزاء أهل الكفر بالشراب الحميم والعذاب الأليم؛ لبيان كمال قسطاس العدل الرباني.
التنكير في "شَرَابٌ" و"عَذَابٌ أَلِيمٌ": يفيد التهويل والفظاعة؛ شراب لا يشبه أشربة الدنيا في حرارته ونتنه، وعذاب بالغ في الإيلام لا يقادر قدره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار الرجوع إلى الله كضابط للسلوك: حين يوقن الإنسان بأن {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا}، يرتدع عن الظلم والبغي وأكل أموال الناس بالباطل، ويستعد ليوم الحساب بالعمل الصالح.
الدافعية للعمل الصالح بالقسط: العمل الصالح ليس مجرد شعائر شكلية، بل هو قيام بالقسط والعدل مع الله ومع النفس ومع خلق الله أجمعين.