الروايات المأثورة وسياق الحدث:
يصف الله تعالى واقع الاستجابة الإيمانية لدعوة موسى في ظل الاستبداد السياسي والإرهاب الفرعوني الباطش.
روى ابن جرير الطبري (15/ 152)مصدر غير محدد١٥/١٥٢ بسنده عن ابن عباس قال: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ}: الذرية هنا هم الفتيان والشباب الأحداث من بني إسرائيل (قوم موسى)، وقيل: بل طائفة من فتيان آل فرعون كآل قارون ومؤمن آل فرعون وامرأة فرعون. والأظهر عند عامة السلف أنهم شباب من بني إسرائيل.
وروى الطبري عن مجاهد والسدي وقتادة: أن الشيوخ والكهول من بني إسرائيل أحجموا عن إعلان الإيمان خوفاً على أنفسهم وأموالهم من بطش فرعون؛ بينما سارع الشباب الأنقياء الذين لم تفسدهم أطماع الدنيا وخوف المناصب إلى الإيمان، وكانوا على وجل شديد: {عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ}؛ أي يعذبهم ويصدهم عن دينهم.
وأخرج ابن كثير (4/ 287)مصدر غير محدد٤/٢٨٧ أن الله وصف فرعون بالعتو والطغيان: {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ}: أي متجبر قاهر متسلط بغير الحق، {وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ}؛ أي المتجاوزين لكل حد في الظلم والبغي وإهلاك الحرث والنسل.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 363)مصدر غير محدد٨/٣٦٣: قال: الذرية نسل القوم وأولادهم، وخُص الشباب بالذكر لأنهم أسرع انقياداً للحق وألين قلوباً وأقل تمسكاً برواسب العادات والمصالح الشخصية.
السعدي(ص 372)مصدر غير محدد٣٧٢: بَيَّن عذر هؤلاء المؤمنين في استتارهم وخوفهم؛ إذ كان فرعون جباراً عنيداً لا يتورع عن سفك الدماء والفتنة بالتعذيب الشديد، ومع ذلك ثبتت هذه القلة المؤمنة في مواجهة البطش.
ابن تيمية(منهاج السنة النبوية: 1/ 482)منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدريةابن تيمية١/٤٨٢: استشهد بالآية على أن غالب أتباع الأنبياء في بدايات الدعوة هم الشباب والضعفاء والمستضعفون؛ لأن قلوبهم متحررة من ربقة الرياسة والجاه الدنيوي الذي يمنع الكبراء من الإيمان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ذُرِّيَّةٌ
أصلها من الذَّرّ وهو النثر والتفريق، أو من الذَّرْء وهو الخلق، وتطلق على صغار الأولاد والنسل، وتطلق على الطائفة والقلة من القوم.
يَفْتِنَهُمْ
الفتن أصله إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من خبثه، واستعمل هنا في التعذيب والإيذاء الشديد بقصد الصد عن الدين.
لَعَالٍ
من العلو، وهو الارتفاع، والمراد هنا العلو المذموم؛ وهو الاستكبار والقهر والبطش بالناس.
الْمُسْرِفِينَ
الإسراف تجاوز الحد والقدر المشروع في كل شيء، وإسراف فرعون كان في الكفر وسفك الدماء وادعاء الربوبية.
فَمَا
الفاء استئنافية، ما نافية لا عمل لها.
آمَنَ
فعل ماض مبني على الفتح.
لِمُوسَىٰ
اللام حرف جر، موسى اسم مجرور بالكسرة المقدرة للتعذر متعلق بـ{آمَنَ}.
إِلَّا
أداة حصر واستثناء ملغاة.
ذُرِّيَّةٌ
فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
مِّن قَوْمِهِ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ{ذُرِّيَّةٌ}، والهاء مضاف إليه، وتعود على موسى أو فرعون والأول أرجح.
عَلَىٰ خَوْفٍ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الذرية؛ أي متلبسين بالخوف الشديد.
الواو عاطفة، ملئهم معطوف على فرعون مجرور، والهاء ضمير جمع يعود على فرعون وقومه؛ لأن عظيم القوم يعامل معاملة الجمع في التعظيم، أو يعود على بني إسرائيل؛ أي ملأ بني إسرائيل المتواطئين مع فرعون.
أَن يَفْتِنَهُمْ
أن مصدرية ناصبة، يفتنهم فعل مضارع منصوب بالفتحة، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على فرعون، وهم مفعول به، والمصدر المؤول {أَن يَفْتِنَهُمْ} في محل جر بدل اشتمال من فرعون، أو مفعول لأجله بتقدير: كراهة أن يفتنهم أو خشية أن يفتنهم.
وَإِنَّ فِرْعَوْنَ
الواو حالية أو استئنافية، إن واسمها.
لَعَالٍ
اللام المزحلقة، عال خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة للتنوين (اسم منقوص).
فِي الْأَرْضِ
جار ومجرور متعلقان بـ{عَالٍ}.
وَإِنَّهُ
الواو عاطفة، إن واسمها.
لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ
اللام المزحلقة، من المسرفين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم والتحليل الاجتماعي:
تكشف الآية عن طبيعة التركيبة السكانية والمواقف النفسية في ظل الحكم الشمولي الاستبدادي؛ حيث أصاب الخوف أركان المجتمع فاستكان الكهول والشيوخ، ولم يجرؤ على كسر حاجز الخوف إلا فئة من الشباب الأطهار الذين استعذبوا التضحية في سبيل التوحيد.
التذييل بقوله: {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ}: لبيان عذر هؤلاء الفتية في خوفهم الشديد وتبرير حالتهم النفسية؛ فالطغيان كان كاسحاً والبطش كان وحشياً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة جمع الضمير في قوله: {وَمَلَئِهِمْ} والمفرد فرعون:
لِمَ قال {وَمَلَئِهِمْ} بضمير الجمع مع أنه قال قبله {مِّن فِرْعَوْنَ}؟
والجواب من وجهين لأئمة التفسير واللغة:
أن الضمير يعود على فرعون وقومه؛ إذ إن ذكر الرئيس يتضمن حاشيته وسلطته، فعاد الضمير على المعنى كقوله تعالى: {وَإِنَّ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا}.
أن الضمير يعود على القوم المذكورين في {مِّن قَوْمِهِ}؛ أي كان هؤلاء الشباب المؤمنون يخافون من فرعون وبطشه، ويخافون كذلك من كبراء قومهم وأشرافهم (ملئهم) أن يسلموهم لفرعون أو يفتنوهم؛ وهذا واقع المستضعف الذي يواجه ضغط السلطة وبطش المحيط العائلي والاجتماعي معاً.